فقالت [سلمى] : لقد اخترت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وأعطته فرس [سعد] الذي كان في الدار، وأعطته مع ذلك سلاحًا، فخرج كالأسد يركض حتى لحق بالجيش المسلم، فجعل لا يزال يحمل على مشركٍ إلا دق صلبه وقتله، حمل على ميسرة القوم، ثم حمل على ميمنة القوم، كان يقصفهم -ليلتئِذٍ- قصفًا عظيمًا، حتى تعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، تعجب سعد وهو يرقب المعركة، ويقول: من ذلك الفارس الملثم؟ ولِمَ يتلثم؟ ولِمَ لمْ يظهر إلا في آخر النهار؟ تساؤلات ترد على ذهن سعد ولم يلبسوا إلا قليلا حتى هزم أعداء الله -عز وجل- ورجع أبو محجن ورد السلاح، وجعل رجليْه في القيد، وعاد سعد، فقالت امرأته: هنيئًا لكم النصر، كيف قتالكم اليوم؟ فجعل يخبرها، ويقول: لقي جند الله ما لقي، ولقوا ولقوا ويذكر لها حتى بعث الله رجلا على فرس أبلق، فلولا والله أني تركت أبا محجن في القيد لقلت: إنها بعض شمائل أبي محجن، قالت: إنه -والله- لأبي محجن، وذكرت له ما كان من أمره؛ من أمره كذا وكذا، فما كان من سعد إلا أن ذرف الدموع، وقال: حلوا قيوده ، وأتوني به، فأتوا به إليه، قال: يا أبا محجن -والله- إني لأرجو الله ألا أجلدك على خمر بعد اليوم أبدًا ، قال: لا والله ما أشربها بعد اليوم أبدًا ، قد كنت أشربها فتطهرني بالحد والجلد، وأما اليوم فإن شربتها فلا يطهرني إلا النار، فلم يشربها بعد ذلك أبدًا .
فخالف النفس والشيطان وأعصهما *** وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهم
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مغْفِرَةً منْهُ وَفَضْلا) فمن تجيب
أخي المسلم؟ العز في كنف العزيز، ومن عبد العبيد أذَلَّه الله . هاهو شاب قوي وسيم -وأنا ما أورد هذا القصص إلا لأن فيه عبرة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِى الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) - قوي وسيم حييٌّ عالم في أوْج شهوته وشدة شهوته ، لكنها مربوطة شهوته بقال الله وقال رسوله -صلى الله عليه وسلم-، عمره لا يجاوز الثلاثين ؛ هو [الربيع بن خثيم] ، كان في بلده فسّاق وفجَّار يتواصون على إفساد الناس وليسوا في بلد [الربيع] ، هم في بلدي وفي بلدك وفي كل بلد، ثلة تسمى فرقة الصد عن سبيل الله، يهمها أن تقود شباب الأمة وشيبها ونساءها إلى النار ، تأخذ بحجزها لترميها على وجهها في النار، من أطاعها فليس أمامه إلا النار- تواصوا على إفساد [الربيع] ، فجاءوا بهذه الغانية، وقالوا: هذا ألف دينار، قالت: علام؟ قالوا: على قُبْلة واحدة من [الربيع] ، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني ، ثم ذهبت وتعرضت له في ساعة خلوة ، وأبدت مفاتنها ووقفت أمامه ، فلما رآها خرج فيها قائلا: يا أمة الله كيف بك إذا نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك يوم تقفين بين يديْ الرب العظيم؟ أم كيف بك إن لم تتوبي يوم تُرمَيْن في الجحيم؟ فصرخت وولَّت هاربة تائبة عابدة عائدة إلى الله -عز وجل- تقوم من ليلها ما تقوم ، وتصوم من أيامها ما تصوم ، فلقِّبت بعد ذلك بعابدة الكوفة، وكان يقول هؤلاء المفسدون: أردنا أن تفسد الربيع فأفسدها الربيع علينا. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) فإياك وداعي الشر، إياك ودعاة الشر، واسمع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يدعوك إلى أن تضبط نفسك في أي مكان كنت ، أو في أي زمان كنت ،"اتقِ الله حيثما كنت، واتبع السيئة بالحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن" (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) وكلنا ذوو خطأ، لكن الحسنات يذهبن السيئات، فلا تحقر ذنبًا، ولا تستصغر معصية، ولا تستصغر كبيرة، ولا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، القائل كما في الأثر"وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره"يقول [أنس] -رضى الله عنه وأرضاه-: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات يقول هذا لمن؟ لخير جيل عرفته البشرية، ولخير فرقة عرفتها البشرية، ولخير القرون كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول ذلك للصحابة والتابعين. فيا أيها الحبيب إنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله -سبحانه وبحمده-، إن المؤمن ليرى ذنوبه كأنه قاعد تحت أصل جبل، يخاف أن يقع هذا الجبل عليه، وإن المنافق ليرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فأطاره بيده. فيا أيها المخطئون إياكم ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا، وإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على الرجل فتهلكه.
خلِّ الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التُّقَى