إن طرف القرآن بيد الله، وإن طرفه أيديكم فإذا تمسكتم بهذا الحبل المتين لن تضلوا، ولن تهلكوا أبداً، وهل يستغني أحد عن أن يكلمه الله في اليوم مرات، فمن أراد أن يكلم الله فليدخل في الصلاة ومن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن، وهل تستغن عن ربك أيها الموحد؟!، لا تضيع القرآن بعد رمضان ،واعلم أن الله قد مَنَّ عليك بالقرآن في رمضان فجعلت لنفسك ورداً يومياً، فلماذا بعد رمضان تركت هذا الورد ووضعت المصحف في علبته كأنك لن تحتاج إليه إلا في رمضان المقبل؟!
فيا أيها الحبيب الكريم:
اقرأ القرآن واعمل بما فيه، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله يقول: (( اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ) ) (( اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما ) ) (( اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ) ) ( [4] ) .
ويقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل أعطاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) ) ( [5] ) .
(( رجل أتاه القرآن فهو يقرأه آناء الليل وآناء النهار ) )أي في سائر العام فلا تهجروا القرآن يا أمة القرآن بعد رمضان، ومن الثوابت التي لا غنى عنها للمؤمن بعد رمضان: ذكر الرحيم الرحمن.
أخي الكريم:
إذا كنت تحافظ على الأذكار والاستغفار في رمضان، فهل تستغني عن هذا الزاد بقية العام، إن الذكر شفاء من الأسقام ومرضاة للرحمن ومطردة للشيطان، فرطِّب لسانك دوماً بذكر الرحيم الرحمن جل وعلا، واسمع لحبيبك المصطفى كما في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني من حديث معاذ بن جبل يقول: (( ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها لدرجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ) )؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: (( ذكر الله عز وجل ) ) ( [6] ) .
انظر إلى فضل الذكر، فالذاكر في معية الله، كما في الصحيحين أنه قال: (( قال الله جل وعلا: أنا عند ظن عبدي بي ،وأنا معه حين يذكرني فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلىَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أتاني يمشى، أتيته هرولةً ) ) ( [7] ) .
فاذكر الله جلا وعلا لتكون دوماً في معيته سبحانه وتعالى، والمعية نوعان: معية عامة، ومعية خاصة، أما المعية العامة فهي معية العلم والمراقبة والإحاطة والمعية الخاصة فهي معية الحفظ والنصر والعون والمدد والتأييد، فهل تستغني أيها المؤمن عن معية الله جل وعلا؟!!
فإذا أردت ذلك فداوم على الذكر ولا تضع هذا النور أبداً، ويكفى أن تعلم أن النبي قال في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري الطويل (( … وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين أحرز نفسه منهم، وكذلك العبد لا يُحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ) ) ( [8] ) .
إذاً لابد لك من هذا الزاد لأن فيه الخير العظيم، فالذكر من الثوابت التي لا غنى عنها بحال لا في رمضان ولا في غير رمضان.
ومن الثوابت الإيمانية أيضاً: الإحسان إلى الناس.
إننا نرى كثيراً من الناس لا تظهر عليهم علامات الجود والكرم إلا في رمضان فقط، فإذا ما انتهى رمضان لا تجد إلا العبوس في وجه الفقراء ولا نجد إلا البخل والشح ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أنت قد منَّ الله عليك بالإنفاق على الفقراء والمساكين وكثير من أوجه الخير في رمضان فهلا عودت نفسك على الإنفاق حتى ولو بالقليل.
ففي الصحيحين من حديث عدي أن الحبيب النبي قال: (( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) ( [9] ) .
فالإحسان من الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن في رمضان ولا في غير رمضان حتى يلقى ربه جل وعلا.
ومن هذه الثوابت الإيمانية أيضاً: قيام الليل.
في رمضان وُفقت بفضل الله ورحمته ومنته إلى صلاة التراويح والقيام فلماذا لا تستمر على هذا الدرب المنير؟.. لماذا تضيع القيام بالليل.
اسمع للنبي وهو يقول في الحديث الذي رواه الحاكم وابن خزيمة والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبي أمامة يقول: (( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ) ) ( [10] ) .