فهرس الكتاب

الصفحة 6602 من 9994

لقد خلق الإنسان في كبد، والمرء كادح إلى ربه كدحا فملاقيه، وإن من أعظم ما يعين النفس المسلمة على دوام الطاعة ألا تحمل من الأمر ما لا تطيق، بل لابد لها من التلطف، فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف، والطريق الشاق ينبغي أن يقطع بألطف ممكن، ولا شك أن الرواحل إذا تعبت نهض الحادي ينشدها، ولذا فإن أخذ الراحة للجد جد، وغوص البحار في طلب الدر صعود، ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس، فليداوم النظر في سيرة النبي ، وليستمع إلى قوله: (( إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ) )رواه أحمد [1] ، وعند البخاري في صحيحه: أن النبي قال: (( إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) ) [2] .

كثيرون هم أولئك الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد والتكاليف، وهم كذلك يتساقطون إعياء خلف صفوف الجادين من عباد الله، يتخللونها، ضعافا مسترخين، يخذلون أنفسهم في ساعات الشدة بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحياةَ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16، 17] .

نعم إن هناك ضعفاً في البشر، ولا يملك الناس أن يتخلصوا منه، وليس مطلوباً منهم أن يتجاوزوا حدود بشريتهم، ولكن المطلوب أن يستمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله في كل حين، وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم ثقافة وأسرة وإعلاما من الثوابت التي لا تتغير، ولا تخدع بها النفس في موسم ما دون غيره، كما أنها تمنعهم في الوقت نفسه بإذن الله من التساقط، وتحرسهم من الفترة بعد الشرّة مهما قلت، ما دامت على الدوام، فرسول الله يقول: (( يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل ) )رواه البخاري ومسلم [3] .

ولا جرم أن نشير هاهنا إلى أن التحرر من الغلو والتشدد لا يعني الترك والإهمال، بل يعني التوسط والاعتدال، مع محافظة المرء على ما اعتاده من عمل، أو التزام في السلوك العام، قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال لي رسول الله: (( يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) )متفق عليه [4] .

إن الانهماك المستمر في العبادة، والإغلاق على حقوق النفس والأهلين يعد إفراطاً مذموماً ليس من هدي سيد المرسلين، وأعبد الناس لرب العالمين، بله كونه سببا في التراجع والنكوص، كما أن الأمر في الوقت نفسه إن كان تقاصراً عن العبادة، أو انشغالاً عنها، أو تركاً للحبل على الغارب مجانبة للتصحيح، أو الارتقاء بالحال على ما يريده الله ورسوله يعد تفريطاً ممقوتاً، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، ويمثل ذلك تضييع المجتمعات المسلمة، بين إفراط وتفريط، ناشئين عن جهل وضلال، كما قال علي: (لا يُرى الجاهل إلا مُفَرطا أو مُفْرطا) ، ولفظ الإفراط والتفريط ـ عباد الله ـ لم يأت في القرآن على سبيل المدح إلا في نفيه عن كل صالح أو مصلح يقول سبحانه عن الملائكة حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ [الأنعام:61] . وقال عن موسى وهارون: قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى [طه:45] . ويقول سبحانه: أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ اللَّهِ [الزمر:56] . وقال جل وعلا عن أهل النار: قَالُواْ ياحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:31] . وقال جل شأنه: وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .

والمراد هنا ـ عباد الله ـ: أن يتماسك المرء المسلم والمجتمعات المسلمة، فيكون لهم من صلابة عودهم الإسلامي وحسه ما يحول بينهم وبين الفتور والضعف، أو التراجع عن الدين أو التخاذل عنه، وإذا ما بدت هفوة أو غفلة، سارعوا بالتيقظ ومعاودة التمسك، والاستجابة لكل ناصح مشفق، وهذا هو التوسط المحمود الذي اختصت به هذه الأمة من بين سائر الأمم.

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112] . والطغيان هنا هو ما تجاوز الحد في الأخذ أو الترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت