سنة الله رب العالمين ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولا تزال طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحق منصورة لا يضرها من خالفها، وليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم. وما أنتم أيها المسلمون إلا أجراء عند الله كيفما أراد أن يعمل عملتم وقبضتم الأجر ولكن ليس لكم ولا عليكم أن تتجه الدعوة إلى مصير، فذلك صاحب الأمر لا شأن الأجير، وحسبكم أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ومعه الرجل ومعه الرجلان والثلاثة ومن يأتي وليس معه أحد، ليس عليك هداهم، إن عليك إلا البلاغ.
وآية الآيات في هذا الدين يا عباد الله أنه أشد ما يكون قوة وأصلب ما يكون عودا وأعظم ما يكون رسوخا وشموخا حين تنزل بساحته الأزمات وتحدق به الأخطار وتشتد على أهله الكرب وتضيق بهم المسالك وتوصد عليهم المنافذ، حينئذ ينبعث الجثمان الهامد ويتدفق الدم في عروق أبنائه ينطلق فينتفض، يقول فيُسمع، ويمشي فيُسرع، ويضرب في ذات الإله فيوجع، فإذا النائم يصحو، وإذا الغافل يفيق، وإذا الجبان يتشجع، وإذا الضعيف يتقوى، وإذا الشديد يتجمع، وإذا بهذه القطرات المتتابعة والمتلاحقة من هنا وهناك من جهود القلة تكون سيلا عارما لا يقف دونه حاجزا ولا سدا.
لا يزخر الوادي بغير شباب وهل شمس تكون بلا شعاع
إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت، وتغفو لكنها لا تنام، فلا تيئسوا، فإنكم ستردون عزّكم.
نعم يا مسلمون: فإن قراءة متأنية لتاريخ الصليبيين وبيت المقدس تعطي الأمل بأن الواقع سيتغير.
فاسمعوا إلى ابن كثير رحمه الله وغيره من أهل السير وهم يسردون لكم ذلك الحدث العظيم في ضحى يوم الجمعة في شهر شعبان لسنة 492هـ: (دخل ألف ألف مقاتل بيت المقدس فصنعوا به ما تصنعه وحوش الغابة وارتكبوا فيه مالا ترتكب أكثر منه الشياطين، لبثوا فيه أسبوع يقتلون المسلمين حتى بلغ عدد القتلى أكثر من ستين ألف، منهم الأئمة والعلماء والمتعبدون والمجاورون، وكانوا يجبرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت لأنهم يشعلون النار وهم فيها فلا يجدون مخرجا إلا بإلقاء أنفسهم من أعالي الأسطحة، جاسوا فيها خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرا، وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدراهم والدنانير، ثم وضعت الصلبان على بيت المقدس وأدخلت فيها الخنازير، ونودي من على مآذن لطال ما أطلق التوحيد من عليها، نودي إن الله ثالث ثلاثة -تعالى الله وتبارك عما يقولون علوا كبيرا- فذهب الناس على وجوههم مستغيثين إلى العراق) ، وتباكى المسلمين في كل مكان لهذا الحديث وظن اليائسون أن لا عودة لبيت المقدس أبدا إلى حظيرة المسلمين.
كم طوى اليأس نفوسا لو رأت منبتا خصبا لكانت جوهرا
ويمضي الزمن.. وفي سنة 583هـ أعد صلاح الدين جيشا لاسترداد بيت المقدس وتأديب الصليبيين على مبدئهم هم"إن القوي بكل أرض يُتقى"
وفي وقت الإعداد تأتيه رسالة على لسان المسجد الأقصى تعجّل له هذا الأمر وهذه المكرمة، فإذا بالرسالة على لسان المسجد الأقصى تقول له:
يا أيها الملك للصلبان نكّس جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أنجس
فصاح رحمه الله: وا إسلاماه ، وامتنع عن الضحك وسارع في الإعداد ولم يقارف بعدها ما يوجب الغسل.
من ذا يغير على الأسود بغابها أو من يعوم لمسبح التمساح
وعندها علم الصليبيون أن هذا من جنود محمد صلى الله عليه وسلم، فتصالح ملوك النصارى وجاءوا بحدهم وحديدهم وكانوا 63 ألف، فتقدم صلاح الدين إلى طبرية وفتحها بلا إله إلا الله فصارت البحيرة إلى حوزته ثم استدرجهم إلى الموقع الذي يريده هو، ثم لم يصل الكفار بعدها قطرة ماء إذ صارت البحيرة في حوزته فصاروا في عطش عظيم، عندها تقابل الجيشان وتواجه الفريقان وأسفر وجه الإيمان، واغبر وجه الظلم والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبد الصلبان، عشية يوم الجمعة واستمرت إلى السبت الذي كان عسيرا على أهل الأحد، إذ طلعت عليهم الشمس واشتد الحر، وقوي العطش، وأضرمت النار من قبل صلاح الدين في الحشيش الذي كان تحت سنابك خيل الكفار، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال وحر مقابلة أهل الإيمان، وقام الخطباء يستثيرون أهل الإيمان ثم صاح المسلمون وكبروا تكبيرة اهتز لها السهل والجبل، ثم هجموا كالسيل لينهزم الكفار ويؤسر ملوكهم ويقتل منهم ثلاثون ألفا.