فهرس الكتاب

الصفحة 6828 من 9994

فما كان الخلفاء الراشدون يتلقون أو يأخذون نظمهم ولا سياستهم ولا مناهج علمهم وكافة أمورهم إلا من الكتاب المنزل من الله والسنة الموحى بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يكن الاقتصار منهم على الوحي الرباني عن فقر في العلوم والثقافة في عصرهم ولكنه عن علم وقصد واتباع لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، قال تعالى: (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [الجاثية:18] .

فكل ما خالف الوحي فهو هوى وجهل وعمى ، وقال تعالى: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [الروم:30 ] .

ولقد غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة وقال:"لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" (7) ، وأقوال الخلفاء الراشدين بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومواقفهم توضح ذلك وتبينه.

قال الخليفة الأول صديق هذه الأمة بعد أن بويع بالخلافة في خطبة عامة:"إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوموني" (8) .

وقال عمر الخطاب -رضي الله عنه-:"قد كنت أرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيدبر أمرنا-أي: يكون آخرنا - ، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم (9) (يعني: أبا بكر) ."

وقال أيضاً:"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ،فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" (10) . فالاعتصام بالكتاب والسنة والتلقي منهما قضية مسلمة لا تقبل النقاش ، ولقد استمرت الأمة على هذا الفهم قروناً ، ولكنها أصيبت في الأعْصُر المتأخرة بالانحرافات حتى جهلت المسلمات ووجد من أبنائها من يجادل في هذا ، بل وربما وجد فيمن ينتسبون إلى الدعوة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

2-حماية جانب العقيدة:

لقد جاءت الشريعة بسد باب الذرائع المؤدية إلى الشرك ومحاربة البدع والمحدثات في الدين، ولهذا لم يكن الخلفاء الراشدون وظيفتهم تقف عند حفظ الأمن والحكم بين الناس، بل إنها تتعدى ذلك لتشمل كافة مصالح الأمة الدنيوية والأخروية ، ومن ثم قاموا على نشر العقيدة الصحيحة وسدوا كافة المنافذ المؤدية إلى الابتداع في الدين أو النقص منه أو الانحراف في فهمه، وقاوموا كل مبتدع أو مشكك في الدين ، وطبقوا قوله -صلى الله عليه وسلم-:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (11) .

والوقائع التاريخية والمواقف المنقولة عنهم في هذا المعنى ، كثيرة نذكر نماذج منها:

-موقف الصديق -رضي الله عنه-في الردة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقد واجه المرتدين بكل قوة وصلابة وحزم وشجاعة ، ورفض مهادنة مانعي الزكاة رغم قلة الجند الإسلامي ومشورة كثير من الصحابة له بذلك منهم عمر بن الخطاب ، فقال -رضي الله عنه- قولته الشهيرة:"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه" (12) .

وقال لعمر بن الخطاب:"أجبار في الجاهلية ، خوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ (13) .. فهو يعلم -رضي الله عنه-أن واجب الخليفة حراسة الدين من الزيادة والنقصان ، لذلك قال مستفهماً هذا الاستفهام:"أو ينقص وأنا حي؟"أي:إن ذلك غير ممكن ولا أقبل به أبداً مادمت حياً، ولذلك قال أيضاً:"والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف في يدي ، ولو لم يبق في القرى غيري" (14) ."

-مواقف عمر بن الخطاب كثيرة: فقد كان -رضي الله عنه-شديداً على أهل الأهواء والبدع ، فقد ضرب صبيغ بن عسل التميمي بجريد النخل وعراجينه عندما أخذ يثير بعض الأسئلة المشككة ،حتى قال له: والله لقد ذهب ما أجد يا أمير المؤمنين ، ثم بعث به إلى والي البصرة أبي موسى الأشعري وأمره بمنعه من مخالطة الناس ، فحجز حتى تاب واستقام أمره وأقلع عن بدعته (15)

وقولته -رضي الله عنه- عند تقبيله الحجر الأسود:"إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك" (16) ... دليل واضح على المتابعة الدقيقة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإبعاد لأي اعتقاد ينشأ عند بعض الناس بأن الحجر ينفع أو يضر بذاته.

وكذلك قطعه للشجرة التي بايع تحتها رسول -صلى الله عليه وسلم- أهل الحديبية بيعة الرضوان ، عندما بلغه أن بعض الناس يقصدها بعبادة كالصلاة عندها أو الدعاء والتبرك بها (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت