فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال: فصاحت امرأته فكان الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليلٍ. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول: قَطْني قطني -أي حسبي حسبي- قال: وخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئاً شديد7، ويقال: رجله -فيما قال ابن هشام- وحملناه حتى نأتي به منهر8من عيونهم، فندخل فيه، قال: فأوقدوا فيه النيران، واشتدوا في كل وجهٍ يطلبوننا.
قال: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، فاكتنفوه وهو ينزع بينهم قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدوَّ الله قد مات؟ قال: فقال رجلٌ منا أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال: فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه ثم قالت تحدثهم: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبتُ نفسي وقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد؟! ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت: فاظ9وإله يهود، فما سمعت من كلمة كانت ألذَّ إلى نفسي منها. قال: ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه بقتل عدوِّ الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه فقال: لسيف عبد الله بن أنيس (هذا والله قتله) .
قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك:
لله درُّ عصابة لاقيتَهم ... ... يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكمُ ... ... مُرُحاً كأسدٍ في عرين مغرِف
حتى أتوكم في محلِّ بلادكم ... ... فسقوكم حتفاً ببيضً ذفَّفِ10.
مستبصرين لنصر دين نبيهم ... ... مستصغرين لكلٍ أمرٍ مجحفِ
هكذا أورد القصة الإمام محمد بن إسحاق11-رحمه الله- وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه12 مثل سياق محمد بن إسحاق وسمى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق، ثم قال موسى بن عقبة: قال الزهري: قال ابن كعب13: فقدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر فقال: (أفلحت الوجوه) .
قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله.
قال: (أقتلتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ناولني السيف) فسله فقال: (أجل وهذا طعامه في ذباب السيف) 14.
الدروس والعبر المستفادة من قصة مقتل سلام بن أبي الحقيق:
1.أن شاتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقام عليه الحد الشرعي سواء كان مسلماً أو كافراً، وحده هو القتل، كما قتل المسلمون ابن سلَّام وابن الأشرف؛ فقد كانا مشهورين بهجاء رسول الله والمسلمين، وكما جرى ذلك لبعض من كان يظهر الإسلام ووقع في عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شتماً أو سباً؛ كحال المرأة التي قتلها زوجها بعد أن وقعت في عرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقامت تشتمه وتسبه فأهدر رسول الله دمها. وإقامة الحد لا تكون إلا إلى القضاء الشرعي وليست لأي أحد من أفراد الناس، وإلا لسادت الفوضى بينهم؛ فلا بد من فهم هذا الضابط وهو أن الذي يقيم الأحكام والحدود والعقوبات على المجرمين هو الإمام المسلم والولي الشرعي.
2.كان سلَّام ابن أبي الحقيق من زعماء يهود بني النضير الذي أقاموا في المدينة بعد أن أجلاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإفسادهم في المدينة ونقضهم العهود والمواثيق التي أبرموها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما هي عادتهم في كل زمان! فتم قتله في بيته ليعلم الطغاة أن أيدي المسلمين بإمكانها أن تصل إليهم وتنال منهم، ولو كانوا داخل بيوتهم في منأى من الأرض حتى لا يعودوا إلى معاداة المسلمين والعمل ضدهم وضد دعوتهم.
3.يجب على المسلمين أن يتنبهوا إلى أن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا وإذنه لقتل ذلك المجرم لم يكن إلا بعد أن صار للمسلمين قوة ودولة تحكم بالشريعة الإسلامية.
4.في القصة ما يدل على تنافس الصحابة في التقرب إلى الله وأن هذا من المشروع كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (26) سورة المطففين ).
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،
والحمد لله رب العالمين.
1 -البداية والنهاية (6/127)
2 -انظر فتح الباري (7/343)
3 -انظر فتح الباري (7/343)
4 -راح الناس بسرحهم: أي رجعوا إلى بيوتهم بمواشيهم التي ترعى، والسرح: السائمة من إبل وبقرٍ وغنم. (البداية والنهاية 6/131)
5 -الرحيق المختوم للمباركفوري (358) .
6 -انظر: صحيح البخاري حديث رقم 3813 (4/1482)
7 -الوثء: إصابة العظم بلا كسر، ووصم يصيب اللحم ولا يبلغ العظم (تاج العروس 1/481)
8 -المنهر: شق في الحصن نافذٌ يجري منه الماء (تاج العروس(14/316)
9 -فاظ: مات
10 -قال ابن هشام: قوله: ذفف: عن غير ابن إسحاق. انظر سيرة ابن هشام 3/220.
11 -البداية والنهاية لابن كثير 6/130.