فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن إدراك العبد لحقيقة الحج، والحكم والأسرار التي شرعت الشعائر من أجلها؛ يهيئه ليكون حجه مبروراً، إذ القيام بذلك بمثابة الخشوع في الصلاة، فمن كان فيها أكثر خشوعاً كانت صلاته أكثر قبولاً، وكذلك الحج: كلما استوعب المرء حقيقة الحج وروحه والحكم والغايات التي شُرع من أجلها، واتخذ ذلك وسيلة لتصحيح عقيدته وسلوكه، كان حجه أكثر قبولاً وأعظم أجراً واستفادة، ولن يتمكن أحد من ذلك ما لم يقم بتهيئة نفسه ،ويستغرق في التأمل والبحث عن أسرار الحج وحكمه، أما من لم يكن كذلك فيخشى أن يكون عمله مزيجاً من السياحة والمتاعب لا غير. ومن الحِكَم: تحقيق التقوى. فالغاية من الحج تحقيق التقوى ولذا نجد ارتباط التقوى بالحج في آيات الحج بشكل واضح جلي قال تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} (196) سورة البقرة. {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (197) سورة البقرة.
ومن حِكَم الحج: تأصيل قضية التوحيد في النفوس وتأكيدها: فالحج يرتكز على تجريد النية لله تعالى وإرادته بالعمل دون سواه قال تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} (196) سورة البقرة. وقال -عز وجل- في ثنايا آيات الحج: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (30-31) سورة الحج. وفي التلبية جاء إفراد الله صريحاً: (( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) ) (3) كما أن الحج يرتكز على توحيد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الوقوع في شرك الطاعة؛ إذ لا مجال للتمسك في الشعيرة بالأهواء والعوائد، بل لا بد من التأسي به صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه.
ومن أبرز غايات الحج وحكمه: تربية العبد على استحسان شعائر الله وحرماته، وإجلالها ومحبتها، والتحرج من المساس بها، أو هتكها، قال تعالى في ثنايا آيات الحج: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (32) سورة الحج.
ومن حِكَم الحج التربية على الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة، ومن ذلك:
أ - العفة. قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (197) سورة البقرة.والرفث هو الجماع، ودواعيه من القول والفعل.
ب_ كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة، قال الله عز وجل: {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (197) سورة البقرة.
قال عطاء: والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك، والأظهر أن المراد بنفي الجدال في الآية نفي الجنس المراد به المبالغة في النهي عن الجدال المذموم فقط، وهو النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية.
ج- الرفق واللين والسكينة: قال صلى الله عليه وسلم عندما سمع زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل في الدفع من مزدلفة: (أيها الناس: عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) (4) (يعني الإسراع) .
د- إنكار الذات والاندماج في المجموع: ففي الحج ينكر العبد ذاته، ويتجرد عما يستطيع أن يخص نفسه به، ويندمج مع إخوانه في الحجيج في اللباس والهتاف والتنقل والعمل.
هـ- التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جلياً في الفدية الواجبة على من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام عمداً، وعلى من أخطأ الوقوف بعرفات،أو دفع إلى مزدلفة قبل غروب الشمس.. الخ.
و- التربية على التواضع: ويظهر ذلك جلياً في الوحدة بين جميع الحجيج في الشعائر والمشاعر، وإلغاء أثر الفوارق المادية بينهم من لغة ودم مال... الخ .
ح- البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمل العبد من بلده ومفارقته لأهله، يذكر بمفارقته لهم حال خروجه من الدنيا إلى الآخرة. ومن حكم الحج أن الحاج عندما يتجرد من المخيط ومن الزينة يتذكر الكفن وخروج العباد من قبورهم يوم القيامة حفاةً عراة غرلاً.
والترحال والتعب يذكران الحاج بالضيق والضنك في عرصات القيامة، حتى إن من العباد من يلجمه العرق يومئذ إلجاماً.
ومن حكم الحج التربية على الاستسلام والخضوع لله تعالى وحده فيتربى العبد في الحج على الاستسلام والانقياد والطاعة المطلقة لله رب العالمين، سواء في أعمال الحج نفسها من: التجرد من المخيط والخروج من الزينة، والطواف والسعي، والوقوف، والرمي، والمبيت والحلق، أو التقصير ونحو ذلك من الأمور التي قد لا تكون جلية المعنى، بل قد تكون إلى الأمر المجرد الذي ليس فيه لنفس العبد حظ ورغبة ظاهرة، أو فيما تحمله تلك الأعمال في طياتها من ذكريات قديمة من عهد إبراهيم عليه السلام،وما تلاه من استسلام وخضوع وإيثار لمحاب الله تعالى ومرضاته على شهوات النفس وأهوائها.