وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-عند قوله-"من سمَّعَ سمَّعَ الله به"يعني من قال قولاً يتعبد به الله، ورفع صوته بذلك حتى يسمعه الناس ويقولون فلان كثير الذكر، كثير القراءة وما أشبه ذلك،فإن هذا قد سمَّع عباد الله يرائي بذلك سمّع الله به أي فضحه وكشف أمره وبين عيبه للناس وتبين لهم أنه مرائي، والحديث لم يقيد هل هو في الدنيا أو في الآخرة، فيمكن أن يسمع الله به في الدنيا فيكشف عيبه عند الناس، ويمكن أن يكون ذلك في الآخرة وهو أشد والعياذ بالله وأخزى، كما قال الله تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} فصلت:16.
ويدخل في قوله-صلى الله عليه وسلم-:"من سمَّع سمَّع الله به"الذين يشققون الخطب، وينمقون الألفاظ، ويتقعرون في الكلمات، ويمططون أصواتهم بالتلاوة والآذان، ليقال أصواتهم حسنة، وألسنتهم فصيحة، ومالهم من بلاغة القول إلا ما تستحسنه الآذان، ولا ينفذ منها إلى القلوب، وإنما يؤثر في النفوس القول البليغ الذي يتوصل به السامع إلى قصد المتكلم، ويبلغ به المنفعة المرجوة له ولقائله، وكذلك يدخل فيه الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، والذين يتتبعون عثرات الناس، ويتكشفون عوراتهم، من أجل أن يفضحوهم، وإذا سمعوا منهم الكلمة طاروا بها في الآفاق. وملئوا بها القلوب والآذان، لا لشيء سوى الإنكار على قائلها والتسميع به، والله لا يحب كل أفاك أثيم6.
وقوله-صلى الله عليه وسلم-:"وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"
الرياء مصدر قولهم: راءه يرائيه رياءً ومراءةً، وهو مأخوذ من مادَّةِ رأى التي تدل- كما يقول ابن فارس-على نظر وإبصار بعين أو بصيرة، يقال من ذلك: راءى فلان، وفعل ذلك رئاء الناس ورياء الناس، وهو أن يفعل شيئاً ليراه الناس7.
قال الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} آل عمران:105.
أما في الاصطلاح: فقد قال الجرجاني: الرياء: ترك الإخلاص في العمل بمراعاة غير الله فيه8 .
وقال ابن حجر الهيتمي:"حد الرياء المذموم: إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى، كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وكماله، فيحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء9."
وقال ابن حجر العسقلاني: الرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبه10.
وكل عمل فيه رياء معدود من السيئات، وإن كان صالحاً في ظاهره، وما يلبث صاحبه أن يظهر سره، ويتضح أمره، فيحيق به مكره، وعلى الإخلاص وعدمه، يترتب حسن الخاتمة وسوءها، كما جاء في الحديث الشريف:"إنَّ أَحدُكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"11.
فالآيات والأحاديث في الرياء كثيرة فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} البقرة:264، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} النساء:38.
أما الأحاديث فقد جاءت أحاديث كثيرة منها حديث ابن عباس الذي بين أيدينا، وكذلك حديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه-"أن رجلاً أعرابياً أتى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقال: يا رسول الله ، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله"12."
وعن محمود بن لبيد-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال:"الرياء إن الله تبارك وتعالى، يقول يوم تجازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟"13.
قال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-:"للمرائي ثلاث علامات، يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم14."
وقال الفضيل بن عياض:"كانوا يراءون بما يعلمون، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعلمون"15.
وعن عاصم قال: كان أبو وائل_شقيق ابن سلمة- إذا صلى في بيته ينشج نشيجاً، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وواحدٌ يراه، ما فعله"16."