إن الكائن الإنساني يشترك مع الكائنات الحيوانية - بل الكائنات المادية - في صفات توهم أصحاب"الجهالة العلمية !"مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ، ومرة بأنه مادة كسائر المواد ! ولكن الإنسان مع اشتراكه في هذه"الصفات"مع الحيوان ومع المادة له"خصائص"تميزه وتفرده ، وتجعل منه كائناً فريداً ، كما اضطر أصحاب"الجهالة العلمية !"أخيراً أن يعترفوا والحقائق الواقعية تلوي أعناقهم ليّاً ، فيضطرون لهذا الاعتراف في غير إخلاص ولا صراحة ! (1)
ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ، ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة الحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز"خصائص الإنسان"في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة !
وإن صبَّت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ، وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ، وأنشأت مركباً عضوياً فائقاً في فترة تعد نسبياً قصيرة ، وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة ، على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان .
لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والإندونيسي والأفريقي .. إلى آخر الأقوام والأجناس . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية . ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما"عربية"إنما كانت دائماً"إسلامية"، ولم تكن يوماً"قومية"إنما كانت دائماً"عقيدية".
ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة وبآصرة الحب ، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . فبذلوا جميعهم أقصى كفاياتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة ، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق ، وهذا ما لم يجتمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ ! ..
لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً . فقد جمعت بالفعل أجناساً متعددة ، ولغات متعددة ، وألواناً متعددة ، وأمزجة متعددة ولكن هذا كله لم يقم على"آصرة إنسانية"ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة ، لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية ، وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس
الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي . ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي .
كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى .. تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً .. ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه ! تجمعاً قومياً استغلالياً ، يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية .. ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها: الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية .. كلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت ! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون ، ولكنها لم تقمه على قاعدة"إنسانية"عامة ، إنما أقامته على القاعدة"الطبقية". فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم .. هذا تجمع على قاعدة طبقة"الأشراف"وذلك تجمع على قاعدة طبقة"الصعاليك" ( البروليتريا ) ، والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى ! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني .. فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن"المطالب الأساسية"للإنسان هي"الطعام والمسكن والجنس"- وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام !!!
لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . وما يزال متفرداً ..
(1) في مقدمة هؤلاء جوليان هاكسلي من أصحاب"الدارونية الحديثة".