فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن كانت هذه حاله، فلن يستنكف أن يكون ممتثلا لما خوطب به من قول المصطفى: (( لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ) ) [أخرجه الترمذي وهو صحيح] [6] . وقوله: (( استوصوا بالنساء خيرا ) ) [متفق عليه] [7] .
وثمرة الدين في المرأة يظهر في مثل قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (يا معشر النساء لو تعلمن بحق أزواجكم عليكن، لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها) .
فما أحمق الرجل يسيء معاشرة امرأته! وما أحمق المرأة تسيء معاملة بعلها.
أيها الناس، الطلاق كلمة، لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها، حينما يتعذر العيش تحت ظل واحد، وإذا بلغ النفور بينهما مبلغا، يصعب معه التودد، فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان، كما اجتمعا بهذا القصد وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً [النساء:130] .
إن الله ـ عز وجل ـ لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان، أنهما مخلوق واحد، يعيشان في أوهام؛ إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر برأسه، وكيف تريد هي منه، أن يحس بقلبها وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] .
إن النسيم لا يهب عليلا داخل البيت على الدوام، فقد يتعكر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات، وترك التعليق المرير عليها. فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] . وقال رسول الله: (( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر ) ) [رواه مسلم] [8] .
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ
بيد أن بيوتات كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جو من الشراسة والنكد، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية واجتماعية، فقد تطلق المرأة اليوم، في رطل لحم، علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، فيخبط هؤلاء خبط العشواء [9] ، ويتصرفون تصرف الحمقى؛ فيقعون في الإثم والحيف [10] .
عباد الله، لقد كثر الطلاق اليوم، لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات، إبان غفلة تقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة، وأفسدت الحياة الزوجية، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولى كِبْرَ [11] تلك المفاهيم الإعلام بشتى صوره، من خلال مشاهدات متكررة يقعِّد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية، حتى وضع الزوجات تاريخهن.
ولرب منظر يشهده ألف امرأة بمرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت بهنّ الخواطر والأفكار، سلبهن القرار والوقار، فمثلنه ألف مرة، بألف طريقة، في ألف حادثة، فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحَمَل، واستنوق الجمل! والعجب كل العجب، أنه في ثنايا المناقشة يقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة، إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية، والتسليم بميكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة، تقيه من أن يعي بوبائها.
وحقيقة الأمر أنهم بالذي وضعوا زادت العقد، وإن ما يذكره الإعلاميون، هو التعرض لعدوى الوباء في عنفوان شدته، وصدق من قال:
وكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
والواقع ـ أيها المسلمون ـ أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج، تسللت إلى الداخل، فلم ينج من بلائها إلا من عصم الله.
الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس يرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرياسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ، بما أودع الله فيه من ذلك. وإن ما تتلقنه المرأة من الأجواء المحيطة بها، على منازعة الرجل قوامته، لمن الانحراف الصَّرْف، والضلال المبين.
وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية، ليس عقد استرقاق، ولا عقد ارتفاق لجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل.
وكل من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] . كما أن قوامة الرجل، لا تعني استغناءه عن زوجه، فالله ـ عز وجل ـ يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ [البقرة:187] .
عباد الله، لقد كثر الطلاق اليوم، لما صار المطلق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيدا، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفاء والهناء. وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها، فعاش في داره عبدا رقيقا.