فهرس الكتاب

الصفحة 7388 من 9994

وقد ورد في السنّة ما يدل على مشروعية تعويد الصغار على الصيام وصلاة الجماعة واصطحابهم للحج صغاراً ومن ذلك: روى الشيخان عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: (( مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِراً فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِماً فَلْيَصُمْ ) ). قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ.

قال ابن حجر:"في الحديث حجة على مشروعيّة تمرين الصبيان على الصيام".

-ومن هديه عليه الصلاة والسلام أيضاً ربط الأبناء بالمساجد وتوجيههم إليها، بل كان يذهب أكثر من ذلك فيتجوز في صلاته مراعاة لحال الصبية الذين تصطحبهم أمهاتهم إلى المسجد .

روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ) ).

فالمسجد إذاً روضة يجتمع فيها الصغير والكبير ويرتادها الرجل والمرأة، وإن كان بيت المرأة خير لها، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم في ارتيادها يستبقون الخيرات فيذكرون ربهم، ويأخذون العلم عن نبيهم الذي قال: (( من جاء مسجدنا هذا يتعلم خيراً أو يعلمه، فهو كالمجاهد في سبيل الله ) )، وهذا حديث حسن بشواهده: أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال عنه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ؛ فقد احتجا بجميع رواته، ولم يخرجاه، ولا أعلم له علة .اهـ .

لذلك كان المسجد المدرسة الأولى، والجامعة الأم التي تنشر العلم، وتشيع المعارف بين الناس، وهو المكان الأفضل والأمثل لهذا المقصد العظيم، وينبغي أن لا يعدل به شيءٌ في تعليم الناس والدعوة إلى الله إلا لضرورة.

وما تنكبت الأمة ولا امتهنت علوم الشريعة، ولا جفت منابعها إلا بعد أن أغفل دور المسجد في التعليم.

أيها المسلمون، إن المسؤولية تقع على كواهلنا جميعاً، فعلى البيت مسؤولية، وعلى المدرسة ومناهج التعليم فيها مسؤولية، وعلى الإعلام والقائمين عليه مسؤولية، وعلى البيئة والمجتمع مسؤولية .

وليس في تقصير البعض ما يبرر إعراض الآخرين عن القيام بالواجب أو تقصيرهم فيه، لأن الخطأ لا يبرر خطأً آخر .

وإذا كان الوالدان من الصالحين فاجتهدا في تربية أبنائهما تربية ترضي الله سبحانه، خرّجا جيلاً سويّاً رشيداً، أمّا إن قصّرا في ذلك فربّما تمخّض غرسهما عن عاق أو معوّق ينحرف عن الطريق، ويصير وبالاً على نفسه وأسرته ومجتمعه .

ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ مِنَ الْحَىّ [يونس:31] ، الذي قيل في تفسيره: إن الله تعالى يُعقب الكافر بابن مؤمن، والفاسق بابن صالح، كما قد يُعقِب الصالح والمؤمن بابن فاسق أو كافر .

وبرهان ذلك جليٌّ واضح في قصة نبي الله نوح عليه السلام وابنه الذي كابر وأصر على الكُفر حتى مات عليه، وكان من الهالكين .

فتحمّل أخي المسلم مسؤوليتك كاملةً وكن لابنك كما كان نبيّك لأولاده وأولاد المسلمين، أباً رحيماً ومربّياً حكيماً.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو التوّاب الرحيم . ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

أما بعد:

إخوة الإسلام، لو عُدنا إلى واقعنا المعاصر، ووضعنا أيدينا على موطن المعاناة وسبب البلاء، لوجدنا أنّ لإقامتنا في مجتمع غربي الثقافة، مادي النزعة، فاسد العقيدة ثمن باهظ ندفعه، وأثر سيءٌ في تربية أبنائنا شئنا أم أبينا .

وهنا لا بد من التحذير من لوثتين يعاني منهما الكبار قبل الصغار في ديار المهجر وهما:

أوّلاً: الافتقار إلى منارات تربويّة تجمع بين سلامة المعتقد وأصالة المنهج، كمدارس تحفيظ القرآن الكريم، ودور الرعاية والحضانة والتربية والتعليم، وإن وجد شيء من ذلك فهو على علاته لا يفي بالمطلوب، ولا يرقى إلى المستوى المنشود، ممّا يزيد من مسؤولية الآباء والدور المناط بهم لأداء الواجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت