ولا يمنع من التمادي على الوعظ بالأمر والنهي والإصرار عليه، عدم القبول من المخالف؛ لأنه فرضٌ فرضه الله قبل أو لم يُقبل، وأن هذا هو الذي يحفظ للأمة كيانها بأمر الله، وبذلك تكون المعذرة إلى الله، ويكون الخروج من التبعية وسوء المغبة، وبمثل أولاء يدفع الله البلايا عن البشر: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] . ولم يقل: وأهلها صالحون، فإن مجرد الصلاح ليس كفيلاً في النجاة من العقوبة الإلهية الرادعة؛ ولأجل ذلك قال النبي: (( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) )وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم، إذا كثر الخبث ) ) [رواه البخاري ومسلم] [1] .
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59] .
بارك الله لي ولكم في القرآن...
[1] صحيح البخاري ح (3346) ، صحيح مسلم ح (2880) . ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين.
أما بعد:
فإن من الدروس المستفادة من الآيات ـ عباد الله ـ، أن التهوين من شأن الإصلاح أو التخذيل أو الإرجاف فيه، ليس من سمات الأمة المسلمة الحقة، وأن مقولة بعضهم:"دع الناس وشأنهم فربهم رقيب عليهم"، ليس من السنة في شيء، إنما هو في الواقع إقعاد بكل صراط يوعد فيه، ويصد عن سبيل الله من آمن، وحينئذ لابد من معرفة العاقبة، لمن كان ديدنه كذلك: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا [الأعراف:164] . ومن هنا ـ عباد الله ـ جاء حذر ابن عباس من أن يكون ومن معه من الفرقة الثالثة.
وبعد، فيا ـ رعاكم الله ـ:
ليت شعري من لم يكن بالحق مقتنعاً يخلي الطريق ولا يوهن من اقتنعا
ومن الدروس ـ عباد الله ـ، أن الشارع الحكيم جاء بسد الذرائع، المفضية إلى ما حرم الله ورسوله ، وأن شيئا من أنواع الحيل الموصلة إلى ما حرم الله لا يجوز ألبتة؛ لأن الحيل طرق خفية يتوصل بها إلى حصول الغرض، بحيث لا يُفطن لها إلا بنوع من الذكاء والفطنة، وهي وإن كانت تخفى على جملة من البشر؛ إلا أنها لا تخفى على رب البشر؛ إذ إنها من باب الإلحاد في حدود الله، وهو الميل والانحراف عنها: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِى ءامِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] .
وأياً كانت هذه الحيل، في العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية، أو نحوها، لا يجوز فعلها للوصول إلى المحرم من طرف خفي، ولربما انتشر مثل هذا في أوساط الكثيرين، لا سيما في البنوك والمصارف، أو في الهيئات، والشركات المتعهدة في اتخاذ طرق ومرابحات دولية، أو مضاربات صورية، إنما هي في حقيقتها حيلة على أخذ الربا، فيُخدع ببهرجتها السذج، ويُغرُّ بها الذين ينشدون الكسب الحلال، فيوقعونهم في شرّ مما فروا منه، دون الرجوع إلى أهل العلم والمعرفة في كشف حقيقة تلك المرابحات، ما يجوز منها وما لا يجوز، وكذا الحيل في التخلص من الزكاة بتفريق المجتمع، وجمع المتفرق. ولقد كتب أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ فريضة الصدقة التي فرض رسول الله: (( ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) ) [رواه البخاري] [1] .
ومن ذلك ـ عباد الله ـ، الحيل في إباحة المطلقة طلاقاً لا رجوع فيه، نتيجة شقاق ورعونة عقل، أعقبها ندم، ولات ساعة مندم، ثم لا تسألوا بعدها ـ عباد الله ـ عن كذا حيلة وحيلة يزوّرها في نفسه، ويخدع بها في إباحة ما حرم من لا يعرف الحيل، إلا على المحتال فلا؛ لأنه هو طبيبها، ويا محنة الأجيال بالمحتال، ولا غرو أن يقع أولئك في أتون الإثم، والتعدي على حدود الله، ناسين أو متناسين قول النبي فيما رواه أبو عبد الله بن بطة بسند جيد أن النبي قال: (( لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ) [2] .