فهرس الكتاب

الصفحة 7424 من 9994

وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال يا أيها الناس! إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلف، ويشهد الشاهد ولا يُستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (5) .

وعن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور» (6) .

الأمر الرابع: واقع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

لقد كان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اعتناء بالغ بهذا الأمر، وكان الخلاف في الرأي يحصل بينهم، ومع ذلك كانت النفوس صافية نقية.

نقل الحافظ في الفتح عن القرطبي قوله: «مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَار بَيْنَ أَبِي بَكْر وَعَلِيٍّ مِنْ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنْ الاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنْ الإنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الآخَرِ، وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَة عَلَى الاحْتِرَام وَالْمَحَبَّة، وَإِنْ كَانَ الطَّبْع الْبَشَرِيّ قَدْ يَغْلِب أَحْيَانًا لَكِنَّ الدِّيَانَة تَرُدُّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ» (7) .

عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أسألها عن شيء فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئاً، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (8) .

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة ـ رضي الله عنه ـ فقالت: «لا تسبه؛ فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (9) .

وها هو ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يثني على ابن الزبير رغم ما كان بينهما. قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيء، فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل حرم الله؟ فقال: معاذ الله! إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين، وإني والله لا أحله أبداً، قال: قال الناس بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه؟ أما أبوه فحواري النبي صلى الله عليه وسلم ـ يريد الزبير ـ وأما جده فصاحب الغار ـ يريد أبا بكر ـ وأمه فذات النطاق ـ يريد أسماء ـ وأما خالته فأم المؤمنين ـ يريد عائشة ـ وأما عمته فزوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ يريد خديجة ـ وأما عمة النبي صلى الله عليه وسلم فجدته ـ يريد صفية ـ ثم عفيف في الإسلام، قارئ للقرآن» (1) .

وفي حديث الإفك تعتذر عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن سعد ابن عبادة فتقول: «فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية» (2) .

وقد خالف ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عمر بن الخطاب في مسائل بلغت المائة - كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين ـ ومع ذلك فحين أتى ابن مسعود اثنان أحدهما قرأ على عمر، والآخر قرأ على غيره، فقال الذي قرأ على عمر: أقرأنيها عمر ابن الخطاب، فجهش ابن مسعود بالبكاء حتى بلَّ الحصى بدموعه، وقال: اقرأْ كما أقرأك عمر؛ فإنه كان للإسلام حصناً حصيناً، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن. وقال عنه عمر ـ رضي الله عنه ـ قولته المشهورة: «كنيف مُلِئَ علماً» .

إنها النفوس التي صفت وتسامت على حظوظها، فلم يجد الهوى بينهم مكاناً، وحين يحصل بينهم ما يحصل بين البشر لا يمنعهم ذلك من العدل، ولا يقودهم إلى تتبع الزلات وملاحقة العثرات.

الأمر الخامس: الاجتماع من سمات أهل السنة وصفاتهم:

من سمات أهل السنة الاجتماع والائتلاف، وهم من أشد الناس حرصاً عليه ودعوة له، كيف لا وهم الجماعة وهم السواد الأعظم.

قال الطحاوي رحمه الله: «ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً» (3) .

قال النووي حول حديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا» : «وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تفرقوا» فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت