فهرس الكتاب

الصفحة 7426 من 9994

أو أن يكون الأمر فيها تحقيق مناط وتنزيل حكم على واقعة؛ فالأمر فيه واسع ولا يجوز أن يلزم الشخص بأصل الحكم؛ فمن يرى عدم مشروعية عمل من الأعمال المنسوبة للجهاد مثلاً لا يجوز أن يوصم بأنه ضد الجهاد والمجاهدين.

أو أن يكون الأمر إلزاماً بما لا يلزم الشخص أو لا يلتزم به.

ب - أن يقتضي الأمر البيان، وتكون مصلحة البيان أرجح من مصلحة السكوت، فليس كل ما يُعلم يقال.

وقد بوب البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب العلم من صحيحه: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وأورد فيه أثر علي ـ رضي الله عنه ـ: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» .

وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (2) .

ج - أن يكون بيان الحق بالأسلوب المناسب؛ وأن يسلك فيه صاحبه العدل ويجانب البغي والظلم، ويجب أن يعلم أن من مسؤوليته ـ مع قول الحق وبيانه ـ وحدة الصف والسعي لجمع الكلمة.

د - أن يكون بيان الحق من الشخص المناسب؛ فالقضايا الكبار ينبغي أن يتحدث فيها الأكابر، وتغليط الكبار لا ينبغي أن يجاهر به الأغمار.

هـ ـ حين يتم بيان الحق فلا ينبغي أن يستمر الناس في الخوض فيما لا أثر له إلا إيغار الصدور وإثارة الفرقة، وما أجدر الغيورين على مصالح الأمة أن يمسكوا عن الجدل واللغط.

رابعاً: الاعتدال في الحكم على الأخطاء:

لا يمكن أن يسلم البشر من الوقوع في الخطأ، ومهما بلغ الإنسان من العلم والتقوى والورع فهو عرضة للجهل والهوى والزلل؛ فالبحث عمن لا يزل ويقصِّر من البشر بحث عن محال.

كما أن الخطأ يتفاوت أمره؛ فثمة فرق بين الكبيرة والصغيرة، والكبائر تتفاوت فيما بينها، والخطأ في المسائل الظاهرة ليس كالخطأ في المسائل الخفية، ومخالفة الدليل الصريح الصحيح ليست كمخالفة دليل محتمل أو فتوى عالم من العلماء.

وحين يترجح بيان خطأ عالم أو داعية فينبغي الاعتدال في ذلك، ومجانبة الغلو والشطط، وكثير من مواطن الافتراق والاختلاف تنشأ من مجانبة الاعتدال، فيشعر المنتقد أنه ما دام على الحق فهذا يسوِّغ له أن يقول ما يشاء وأن يفعل ما يشاء.

خامساً: الفصل بين الأشخاص والمواقف:

من الأمور التي ينبغي أن يعنى بها مريد الحق أن يكون حديثه عن الحق أو الباطل متجنباً الأشخاص ما لم يترتب على ذلك مصلحة شرعية.

ومن المعلوم أنه لا يلزم من وقوع الشخص في الخطأ تأثيمه أو تضليله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وهذا فصل الخطاب في هذا الباب؛ فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك: إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه الله ألبتة خلافاً للجهمية المجبرة وهو مصيب، بمعنى: أنه مطيع لله؛ لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر، وقد لا يعلمه خلافاً للقدرية والمعتزلة» (1) .

وقال أيضاً: «ولكن الأنبياء ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ هم الذين قال العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب. فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين. وهذا في الذنوب المحققة. وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطؤوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون. وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يُعصَمون، ولا يُؤثَّمون» (2) .

سادساً: الحد من تسلط الأغمار:

كان لمحدودية وسائل الاتصال أثر في قصر انتشار المقولات على من اشتهر بالعلم والرأي في الغالب، ومع اتساع انتشار هذه الوسائل صار من شاء يكتب ما شاء (3) ، وأدى هذا إلى تصدر كثير من الأغمار وحديثهم فيما لا يحسنون، وصارت لهم جرأة عجيبة على الأكابر.

إن الأكابر ليسوا بمنأى عن النقد وبيان ما أخطؤوا فيه، لكن لا بد من حد أدنى لمن يتحدث عنهم وينتقدهم.

وأهل العلم والدعوة في الأمة يؤمل عليهم أن يشيعوا ثقافة احترام الأكابر، وضرورة تواضع الأصاغر، ولئن لم يرق لأحدهم قول، أو رأى الحق بخلافه فليدعه، لكن لا يتحدث مع الناس فيما لا يحسن.

سابعاً: الحذر من الانشغال بعيوب الناس:

المسلم مأمور بحفظ لسانه وصيانة أعراض المؤمنين، ومن أعظم الآفات أن ينشغل المرء بعيوب الآخرين، فكيف حين يكون من يُنشغل بعيوبهم من أهل الصلاح والعلم والدعوة، ومم يعرفون بالخير في الأمة؟

وجدير بمن لا يُعرف لهم تصنيف إلا في الرد والتعقيب أن يراجعوا أنفسهم ويتأملوا حالهم؛ فقد يكون مبدأ الأمر غيرة ومنتهاه جري وراء الهوى.

ثامناً: توقير الأكابر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت