فهرس الكتاب

الصفحة 7508 من 9994

أيها الأخوة: لقد جمع الله لعثمان من الفضائل والمكارم ما جعله بحق أن يكون في الدرجة الثالثة في الإسلام بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلقد تزوج بنت رسول الله رقية رضي الله عنها فلما توفيت زوجه رسول الله أم كلثوم، فتوفيت أيضاً في صحبته فقال رسول الله: (( لو كان عندنا أخرى لزوجناها عثمان ) )، قال الحسن البصري إنما سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبيّ غيره.

وعن أبي موسى الأشعري قال: كنت مع النبي في حائط من حيطان المدينة (أي بساتينها) فجاء رجل فاستفتح (أي استأذن بالدخول) فقال النبي: (( افتح له وبشر بالجنة ) )ففتحت له فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي: (( افتح له وبشره بالجنة ) )ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: (( افتح له، وبشر بالجنة على بلوى تصيبه ) )، فإذا عثمان. فأخبرته بما قال رسول الله فحمد الله ثم قال: الله المستعان. [متفق عليه] .

ولما صعد رسول الله الجبل جبل أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف (أي الجبل) فقال: (( اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان ) ) [رواه مسلم] .

ولقد كان عثمان صاحب ثروة عظيمة وجاه في قريش، لكنه لم يسلط هذه الثروة الطائلة في احتقار الآخرين والاستعلاء على عباد الله المؤمنين.

لكنه استعمله في مرضاة الله، في الإنفاق في سبيل الله، فقد كان يبذل البذل العظيم لنصرة هذا الدين فقد أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال شهدت النبي وهو يحث على جيش العسرة. فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض رسول الله على جيش العسرة مرة أخرى، فقال يا رسول الله علي مائتي بعير بإحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض رسول الله على الجيش، فقال عثمان يا رسول الله عليّ ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله وهو يقول: (( ما على عثمان ما عمل بعد اليوم ) ).

وهو الذي اشترى بئر رومة حيث قال رسول الله: (( من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خير منها في الجنة ) )، قال عثمان فاشتريها من خالص مالي.

أيها الأخوة: ولم يكن عثمان سباقاً في مجالات الجهاد بالمال والنفس فحسب، بل لقد كان عابداً خاشعاً خائفاً من الله لا يمل من قراءة القرآن، فقد روي عنه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج.

وقد كان هذا دأبه . ولذلك قال ابن عمر في قوله تعالى: أمّن هو قانت أناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة .

هو عثمان بن عفان، وقال ابن عباس في قوله تعالى: هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم .

وكان يقول هو (عثمان) لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف.

وكان رحيماً بأهله ويخدمه فقد كان إذا استيقظ من الليل لا يوقظ أحداً من أهله ليعينه على الوضوء، إلا أن يجده يقظاناً، وكان يعاتب في ذلك، فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا ‍ الليل لهم يستريحون فيه. فأين بعض الناس من ظلمهم الخدم وهم وعمالهم يكلفونهم ما لا يطيقون.

وإن أعظم منقبة سجلت لعثمان ولا ينساها التاريخ له أبداً، بل لا ينساها أهل الإسلام أبداً.

لأنه بها اجتمع شمل الأمة وذهب كيد الشيطان عنها.

ألا وهو جمعه الناس على حرف واحد، وكتابة المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل مع رسول الله في آخر سنين حياته. وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان أخبره أنه لما كان في بعض الغزوات، رأى الناس يختلفون في قراءاتهم ويجهل بعضهم بعضاً في ذلك بل ويكفر بعضهم بعضاً، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها اختلاف اليهود والنصارى في كيدهم، وذكر له ما شاهد هناك.

فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد.

وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به.

فوافقه الصحابة، فأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب القرآن، فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصراً آخر، وإلى البصرة وإلى الكوفة وإلى مكة واليمن، وأقر بالمدينة مصحفاً.

فرضي الله عن عثمان وجمعنا به في جنات النعيم.

اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين.

قلت ما قد سمعتموه واستغفروا الله العظيم لي ولكم. ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه الطاهرين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها الأخوة في الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت