والوقفة الثانية: هل الشهادة هي الهدف؟ هل الهدف من التعليم ـ عندنا نحن المسلمين ـ أن نُخرّج مهندسين وأطباء ... فقط، بغض النظر عن الفكر والهمّ الذي يحملونه. للأسف هكذا نحن نربي أبناءنا، أليس الأب يقول لولده: (ذاكر يا ولد حتى تكبر وتصير مهندساً!! ادرس حتى تكون الأول!!) .
من الذي يقول لولده الآن: (ذاكر يا ولدي واجتهد حتى تخدم دينك وأمتك، وحتى تصير مسلماً قوياً) .
لا بد أن يكون مع التعليم تربية، نعم نعلم أبناءنا الهندسة والكيمياء والطب والحاسوب، ولكن لا ننسى أن يكون مع التعليم تربية على الأخلاق الفاضلة، نربيهم على حب هذا الدين والبذل له، ابنك عندما يرى إخوانه المسلمين في فلسطين تهدم بيوتهم، ويُشرّدون في العراء، اسأل طفلك في هذا الموقف: يا بني ماذا قدمت لهؤلاء المساكين؟ اجعله يشعر بشعور المسلمين، ويحزن لحزنهم، ويفرح لسرورهم، ويحاول أن يعمل شيئاً لمساعدتهم، حتى يشبّ ويكبر ومعه هذا الهمّ.
وهذا الكلام ليس موجهاً للآباء فقط بل حتى للمعلم.
فالهدف من التعليم: أن نربي جيلاً يفخر بدينه، وينافح ويدافع عنه، وينشره في العالمين، إن كان طبيباً في عيادته، أو مهندساً في مصنعه، أو معلما في مدرسته..
لا أن نربي جيلاً مهزوز العقيدة، لا قيم لديه، ولا هدف، دينه شهوته وفرجه ورياله!!
وهذا البذل للدين والعيش من أجله ليس مطلوباً من أبنائنا فقط؛ بل حتى منا، ينبغي أن نكون لهم قدوة في ذلك.
فيحاول كل واحد منا أن يخدم الإسلام ويبلغ دين الله بما يستطيع، كل على حسب جهده وطاقته وفي مجال تخصصه.
امرأة سوداء كانت تكنس المسجد، في نظر الناس عمل تافه، ولكنه عند الله ورسوله عمل عظيم.
فقدها النبي صلى الله عليه وسلم وسأل عنها فأخبره الصحابة أنها ماتت، فلما سمع هذا منهم، أحب أن يبين لهم منزلة هذه المرأة وجلالة العمل الذي كانت تقوم به؛ ذهب قبرها فصلى عليها [2] .
فالإسلام يريد الطبيب المسلم العفيف الذي يكون أميناً على أرواح الناس وأعراضهم، ويريد التاجر المخلص الذي يثق به الناس وببضاعته، كما أنه يحتاج للعالم في الشرع البصير بدين الناس ودنياهم.
يقول أحد الدعاة: إن طبيباً أسلم على يديه عشرات من زملائه في المستشفى، وهذا الطبيب ليس عالماً، ولا طالب علم بل إنسان عادي، ولكن يجري في عروقه ودمه حب الدين، والتضحية له، والفخر والاعتزاز في انتسابه للإسلام، عكس كثير من المثقفين الذين يخجلون من إظهار بعض شعائر الإسلام وتعاليمه، خاصة إذا كانوا في بلاد الكفر أو مع الكفار في عمل أو غيره، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أين عزة المسلم بدينه وعقيدته: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] .
نفعني الله...
[1] انظر: عيون الأشعار للحمصي (ص168) .
[2] القصة أخرجها البخاري في الجنائز (1337) ، ومسلم في الجنائز (956) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ...
المنبر