ظهور بعض المتحمسين للدعوة والغيرة على الدين ممن لم يكن لهم علم كافٍ بمقاصد الشريعة، وبمبدأ الموازنات في الشريعة الإسلامية؛ حيث ركَّزت طائفة منهم النظر في المفاسد المترتبة على الأخذ ببعض القضايا المستجدة دون مراعاة لما فيها من المصالح، وطائفة أخرى ركزت على ما فيها من المصالح بغض النظر عن ما يترتب عليها من المفاسد وكلا الطرفين مذموم. والحق هو الموازنة؛ فما كانت محصلته الخير والصلاح في الدين أو الدنيا أُخذ به ولو كانت فيه مفاسد قليلة ترجح بها كثرة المصالح كمًا أو كيفًا. وما كان محصلته الفساد والشر فإنه يترك ولو ظهرت فيه بعض المصالح التي ترجح بها كثرة المفاسد كمًا أو كيفاً.
والمقصود أن ظاهرة الأحادية في النظرة والتعصب لها توجد اليوم من بعض الغيورين، وهي بدورها توقع أصحابها في مصادمة دائمة مع إخوانهم الدعاة، بل قد توقعهم في مصادمة مع بعضهم البعض أو مع أنفسهم.
والوسطية والعدل والتوازن في الأخذ بمبدأ الموازنات هو أصل عظيم في تشريع الأحكام والحكم على النوازل، ورحم الله من قال: «ليس الفقيه من يعلم الخير من الشر، ولكن الفقيه من يعلم خير الخيرين وشر الشرين» .
الأمر السادس:
إن الإلمام بخاصية العدل والتوازن والوسطية في أحكام الله عز وجل الكونية منها والشرعية لمن أكبر العون على معرفة سنن الله عز وجل التي لا تتبدل ولا تتغير، والتي تتسم بصفة الاطِّراد والثبات والشمول والتوازن. وهذا بدوره يقود إلى معرفة السنن الربانية في تغير المجتمعات سواء من سوء إلى حُسن أو عكس ذلك. وما أحوج الأمة اليوم إلى إدراك هذه السنن الربانية؛ وبخاصة دعاتها وعلماؤها ومجاهدوها الذين يقع عليهم عبء المسؤولية وثقل الأمانة في إنقاذ الأمة - بإذن الله تعالى - مما هي فيه من ذلة وشقاء وفساد.
وفي إدراك هذه السنن المطَّردة المتوازنة هداية إلى معرفة المنهج الصحيح للتغيير كما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وفي المقابل فإنه عندما يكون الجهل أو الغفلة عن هذه السنن الربانية فإن ذلك مؤذن بالانحراف عن المنهج الصحيح للدعوة والتغيير والإصلاح.
الأمر السابع:
إن الحديث عن سمة الوسطية والعدل والتوازن في هذا الدين وأحكامه وأخلاقه ليبعث في النفس الغبطة والفرح والسرور، والفخر بدين الإسلام، وهذا بدوره يورث في النفس تعظيم الله عز وجل وحمده وشكره، وتعظيم دينه وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم الذي هدانا الله به إلى صراطه المستقيم؛ وبخاصة عندما ننظر إلى المناهج البشرية المضطربة التي فقدت هذه الخاصية فذهبت بها الأهواء تارة ذات اليمين، وتارة ذات الشمال. كما أن ذلك يبث في النفس الطمأنينة والثبات على هذا الدين، ويدفع المسلم إلى الدعوة لهذا الدين وإيصاله إلى الناس لينعموا به في الدنيا وتسعد حياتهم به وبما فيه من العدل والتوازن والشمول والكمال، ولتكمل سعادتهم في الدار الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى - عن خاصية التوازن في دين الإسلام: «... وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك، والغلو هنا وهناك، والتصادم هنا وهناك؛ هذه الآفة التي لم يسلم منها أي تصور آخر. سواء التصورات الفلسفية، أو التصورات الدينية التي شوهتها التصورات البشرية بما أضافته إليها أو نقصته منها، أو أوَّلته تأويلاً خاطئًا وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة» (6) .
وأكتفي بهذه البواعث التي دفعت إلى كتابة هذه الرسالة لتدل على غيرها من البواعث التي لم تذكر، والتي لا تبعد عما سبق، وإنما هي تفريعات لها.
وسيكون البحث في هذه الرسالة من خلال الأبواب والفصول التالية إن شاء الله تعالى:
الباب الأول: تفسير آية سورة البقرة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: من الآية143) وما في معناها من الآيات والأحاديث.
الباب الثاني: مظاهر العدل والتوازن في خلق الله تعالى وأمره.
وتحته فصلان:
الفصل الأول: من مظاهر العدل والتوازن في خلق الله تعالى وتقديره.
الفصل الثاني: من مظاهر العدل والتوزان في أمر الله عز وجل وشرعه.
وتحته مباحث:
المبحث الأول: من مظاهر العدل والوسطية والتوازن في الاعتقاد.
المبحث الثاني: من مظاهر العدل والوسطية والتوازن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى.
المبحث الثالث: من مظاهر العدل والوسطية والتوزان في العبادات.
المبحث الرابع: من مظاهر العدل والوسطية والتوزان في الأخلاق والمعاملات.
الخاتمة .
(1) انظر ما كتبه الإمام الشنقيطي - رحمه الله تعالى - من كلام طويل ونفيس عند هذه الآية في تفسيره المبارك «أضواء البيان» : (3/372-417) .
(2) «خصائص التصور الإسلامي» : (ص 49، 50) .
(3) «أضواء البيان» : (3/372) ، باختصار.
(4) «روضة المحبين» (ص 220) .
(5) سيأتي إن شاء الله تعالى بيان المعنى الصحيح لمفهوم (الوسطية) في مبحث قادم.