فهرس الكتاب

الصفحة 7646 من 9994

ومن جعل الله له هداية ونورًا رأى من هذا ما يتبين له به منفعة ما جاء في الكتاب والسنّة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا ابتداء، لكن نور على نور ...

وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله: فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وهم المؤمنون، وذم فيه الأخرى، كما في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) إلى قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) (البقرة: من الآية253) .

فقوله: (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم الأخرى، وكذلك قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) (الحج: من الآية19) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) (الحج: من الآية23) . مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه: «أنها أنزلت في المقتتلين يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، والذين بارزوهم من قريش وهم: عتبة وشيبة والوليد (8) .

وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول، وكذلك آل إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك.

وكذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (البقرة: من الآية213) ؛ لأن البغي: مجاوزة الحد.

وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة» (9) .

ومن هذا النقل النفيس عن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في أنواع الاختلاف وأسبابه نخلص إلى النتائج التالية:

الأولى: أن الخلاف مع الكفار والمبتدعة خلاف محمود؛ لأن الله عز وجل يأمر بمفارقة الكفار والمبتدعة ويحب المخالف لهم من أهل السنة والاتباع.

الثانية: أن الخلاف في مسائل الاجتهاد بين أهل السنة إذا لم يؤد إلى الفرقة وفساد المودة فهو خلاف محمود، أما إذا انتهى بالمختلفين إلى الفرقة والخصام، فإن كلا الطائفتين مذمومتان؛ إذ الغالب في مثل هذه الحال دخول الهوى والعصبية إلى النفوس. فمتى أدى الاختلاف في الاجتهاد بين أهل السنة إلى الفرقة، فليعلم أن الهوى أو البغي قد دخل في النفوس.

وفي ذلك يقول الشاطبي - رحمه الله تعالى: «... فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية وهي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً) (الأنعام: من الآية159) .. فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها .. فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى .. وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين» (10) .

الثالثة: أن أهم أسباب الخلاف بين المختلفين: إما الجهل بما عند المخالف من الحق والدليل أو الجهل بالأدلة الشرعية بعامة.

وإما البغي والهوى والحسد: إذ قد يتضح الحق للمخالف ولكنه يستنكف عن الانقياد له بغيًا وكبرًا عياذًا بالله عز وجل.

والكلام هنا موجه لأهل السنة والخلاف الحاصل بينهم، وكيف يمكن تفادي الفرقة الناشئة عنه، وما هو الميزان العدل الذي يوزن به هذا الخلاف. أما الخلاف مع أهل البدع والكفر فهو متعين وله مقام آخر.

(1) انظر سنن أبي داود: (4596) ، والترمذي (2640) ، وابن ماجة: (3991) .

(2) مسند أحمد: (4/102) .

(3) مسلم: (2890) .

(4) الحديث لا يوجد في مسلم وإنما في البخاري: (2410) .

(*) يقصد شيخ الإسلام بالاختلاف هنا ذلك الذي يؤدي إلى التفرق والخصومات.

(5) سبق تخريجه: (ص 207) .

(6) انظر ما ذكره الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - عن حديث الافتراق في السلسلة الصحيحة (204) .

(7) البخاري: (2410) .

(8) البخاري: (2743) .

(9) اقتضاء الصراط المستقيم: (1/135 - 156) ملخصًا، ت: د. ناصر العقل.

(10) الموافقات: (4/221-222) .

المقدمة الثانية: ضوابط شرعية في الرد على المخالف:

قبل الشروع في الرد على المخالف - سواء كان مشافهة أو كتابة - فلا بد من مراعاة الضوابط الشرعية حتى يؤتي الرد ثمرته المطلوبة ولا يؤدي إلى مفاسد شرعية تربو على مفاسد ترك الرد.

ومن أهم هذه الضوابط ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت