فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقد أصبح كثرٌ من الناس اليوم يعيشون حياة الضياع والغفلة، وذلك بمشاهدة المنكر، واستماع الإثم، فأفلامٌ خليعة مفسدة للأخلاق ومدمّرة للحياة، وأجهزةٌ لاستماع الغناء الذي يدعو إلى فعل الفاحشة والزنا، نجد ذلك في السيارات والبيوت والاستراحات وغيرها من أماكن اللهو. فأصبحت بيوتُ هؤلاء المحرومين مقراً للشياطين وميداناً لهم يتلاعبون فيه بالغافلين من الإنس يؤذنهم ويتسلطون عليهم جزاءَ غفلتهم عن ذكر ربهم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) .
ولهذا كثرت الشكوى في عصرنا الحاضر من حوادث السحر، والصرع، والإصابة بالعين، وهذا وإن كان بقضاءٍ وقدرٍ إلا أن مشيئة الله جرت بأن كلَّ شيءٍ له سبب.
وإن من أسباب تك المصائب: الغفلة عن الأوراد الشرعية والأذكار النبوية، وكلام ربِّ البرية، واستبدال ذلك بالصور الخليعة والغناء الماجن؛ قرآن الشيطان، والأفلام المفسدة، مما يسبب دخولَ الشياطين إلى البيوت.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم:"إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء". [رواه مسلم] .
إنّ خير البيوت بيتٌ يُذكرُ الله فيه، ويُصلى فيه على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلّم، وإن شرَّ البيوت بيتٌ لا ذكر فيه، ولا تلاوة، وإنما هي الغفلة والإعراض.
وإن خير المجالس ما كان فيه ذكرٌ لله، وإن شرها ما جلب على صاحبه ضرراً وسببَّ له إثماً.
أيها المسلمون:
لقد قال صلى الله عليه وسلّم:"ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم تِرةٌ - أي نقص - فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". [رواه الترمذي وقال حديث حسن] .
ولهذا شُرع في ختام المجلس كفارةٌ له، وهو أن يقول المرء عند قيامه من مجلسه:"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك".
عباد الله:
إن الذكر والاستغفار هو الباب الأعظم بين العبد وربّه ما لم يغلقه العبدُ بالغفلة.
فبالذكر - أيها المسلمون - يَصْرَعُ الإنسانُ شيطانَ الجن كما يصرعُ الشيطان أهل الغفلة والإعراض.
قال بعض السلف:"إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرعُ الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟! فيقال: قد مَسّه الإنسي".
الله أكبر، هكذا يُكْسِبُ ذكرُ الله واستغفاره المرءَ قوةً ونشاطاً، وإيماناً يصرع به شياطين الجن، مع قوة في البدن، حتى إن الذاكر ليفعل مع الذكر ما لم يظنَّ فعِلَه بدونه.
وقد عَلّم النبي صلى الله عليه وسلّم ابنته فاطمةَ وزوجها عليّ بن ابي طالب رضى الله عنهما: أن يُسبحا كل ليلةٍ إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويكبرا أربعاً وثلاثين لّما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك ودلّهما أنه خيرٌ لكما من خادم.
فعن عليّ بن ابي طالب:"أن فاطمة عليهما السلام شكت ما تلقى في يدها من الرحى، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته."
قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم. فقال: مكانك فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري. فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟!.
إذا أويتما إلى فراشكما - أو أخذتما مضاجعكما - فكبّرا ثلاثاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم"."
وفي روايةٍ من طريق شعبة، عن خالد، عن بن سيرين قال:"التسبيح أربع وثلاثون".
وإنني بهذه المناسبة ألفت أنظار الطلاب في مثل هذه الأيام (أيام أداء الامتحان) إلى هذا التوجيه النبوي الكريم بكثرة الذكر والاستغفار، وذلك ليُعانِ الإنسانُ على إجابته وكتابته، ويوفّق في حياته وأموره. والله المستعان.
أيها المسلمون:
إنّ ذكر الله بالقلب واللسان هو روح الأعمال الصالحة، فمتى خلا العمل عن الذكر كان الجسد بلا روح.
ذكرُ الله - يا عباد الله - يَطْرُدَ الشيطان، ويرضي الرحمن، ويُزيلَ الهم والغم، وَيُدخل على القلب الفرحَ والسرور والقوة والنشاط.
إنه نورٌ في الوجه والقلب، وهو سببٌ جالب للرزق.
أيها المسلمون:
إنّ الذكر يكسو الذاكر مهابةً وحلاوةً، ونضرةً ومحبة.
إنّ الذكر يورثُ صاحبه المراقبة والإنابةَ، ويفتحُ للمرء باباً عظيماً من أبواب المعرفة، ويورثه القربَ من ربّه عز وجل، ويثيبه الله تبارك تعالى بإن يذكره، وقد قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .
الذكر ـ يا عباد الله ـ يَحُطُّ الخطايا والسيئات، ويُزيلُ الوحشة بين المرء وربه، فهو حياةٌ للقلوب، قال صلى الله عليه وسلّم:"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت". [رواه البخاري] .
وروى مسلم ايضاً:"مثلُ البيت الذي يُذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت".
والذكر يَعْدِلُ عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله، ففي الحديث الصحيح عند الترمذي، أنه صلى الله عليه وسلّم قال:"ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟!. قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى".
ولهذا ترتفع منزلة الذاكرين الله كثيراً والذكرات إلى أن يباهي الله عز وجل بهم الملائكة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه وأحبابه بالذكر.
عن عبد الله بن بسر:"أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأنبئني بشيء أتشبث به؟!."
فقال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله". [قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد] ."
وأخذ صلى الله عليه وسلّم بيد معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال:"يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دُبُرِ كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
فيا أصحاب الهمم العالية:
استمعوا إلى الثواب الجزيل على العمل القليل، فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة:
أن من قال:"سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة. وأن غراس الجنة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
ومن قال:"لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير في يوم مائة مرة كانت له عدلَ عشر رقاب، وكتبت له مائةُ حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عملَ أكثر منه".
وقال صلى الله عليه وسلّم:"من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".