ومِن هنا فهناك مسائلُ في هذا الدّين خطيرٌ أمرُها عظيمٌ شأنها دقيقٌ فهمُها، هي مزلّة أقدامٍ ومضلّة أفهام، ومِن أخطر هذه القضايا قضيّةٌ يتعثّر في ساحتِها مَن ليس بمحقِّقٍ فقيهٍ دقيق، ويتبلّد عندَ تشعُّب طرائقِها مَن ليس بعالِمٍ ربّانيّ ضليع. قضيّة غلا فيها أقوامٌ وفرّط في فهمِها آخرون. قضيةٌ لا يهتدِي إلى ما هو الصّواب فيها إلاّ من استنار بهديِ الوحيَين ونهَج منهجَ الصّحابة والتّابعين. قضيّةٌ أحكمَ علماء الإسلام المحقِّقون قواعدَها، وأرسَوا أقسامَها وشُعبَها، وأصّلوا أصولَها وضوابطَها، وبيّنوا شروطَها وموانعَها.
ذلكم هي قضيّة التّكفير والحكمِ به على آحادِ المسلمين أو مجتمعاتِهم.
نَعَم، إنّها قضيّة مهمّة ومسألةٌ عظيمة، لا يجوز لكلّ أحدٍ اقتحامُها ولا التنصُّب لها. ذلكم أنّ التّسارع في التكفِير والوقوعَ فيه أو الخلطَ في أحكامِه والكلامِ عنه بلا ضابطٍ قرآنيّ ولا فهمٍ محمديّ ولا إجماع من أهلِ الحلّ والعقد كلُّ ذلك ينجُم عنه شرور عُظمى وفتنٌ كبرى، فكم مِن فتنٍ وقعَت فيها الأمّة الإسلاميّة بسبَب اعتقادٍ خاطئ في تكفير المسلمين، وجرّاءَ الوقوع في هذه القضايا بدونِ إتقانِ العلماء المحقّقين والالتفاتِ للإجماع المستَبين.
ما كلُّ مَن طلب المعالي نافذًا فيها ولا كلّ الرّجال فحولاً [1]
إنّ التّسارعَ في التّكفير والوقوعَ فيه بدون القواعد التي قعّدها العلماء المحقِّقون، وبدون النّظر إلى الشّروط وانتفاءِ الموانع المرعيّة في النّصوص وفقَ فهمٍ لا تلابسه غمّة ولا تعتريه لُبسة، كلّ ذلك خطرٌ عظيم وشرّ مستبين، عانت الأمّة منه منذ عصرِ الصحابة رضي الله عنهم، عانَت منه رزايَا كبرى ومحنًا شتّى، فحينئذ حريٌّ بالمسلمين جميعًا أن يدرِكوا الضّررَ الذي يصيب الأمّةَ من التّسارع في تلك القضايا أو الكلام عليها من كلِّ أحدٍ، ممّا يفرِض على العلماء والدّعاةِ والمفتين والفقهاء السّعيَ في بيان الحقّ الذي يرضَى به ربّ العالمين ويتبيّن معه الحقّ من الباطل والصّوابُ من الخطأ.
ومِن هنا ـ أمّةَ الإسلام ـ فتجرُّؤ كلِّ أحدٍ على طَرقِ هذه القضيّة المهمّة تترتّب عليه عواقب وبِيلة ونتائجُ بشِعة في الدّنيا والآخرة.
يقول القرطبيّ رحمه الله:"وبابُ التّكفير بابٌ خطير أقدَم عليه كثير من النّاس فسقَطوا، وتوقّف فيه الفحولُ فسلِموا، ولا نعدِل بالسّلامة شيئًا".
حينئذٍ ـ عبادَ الله ـ وقفَت النّصوص الشرعيّة مِن هذه القضيّة موقفًا صارمًا ومنهجًا جازِمًا، كلّ ذلك دَرءًا للفِتن عن المسلمين ومنعًا لمكائِد الشّيطان اللّعين.
معاشرَ المؤمنين، إنّ من أساليب النّصوص الشرعيّة في منع تكفيرِ المسلم بلا حجّةٍ من القرآن ولا فهمٍ من السنّة ما هو معلوم من دين الإسلامِ بالضرورة مِن وجوب صيانةِ عِرض المسلم واحترامه وتجنُّب القدحِ في دينهِ بأيّ قادحٍ إلاّ بدليل جليٍّ وبرهان نبويٍّ، فكيف إذا كان القدحُ بالتكفير لشبهةٍ عارضةٍ أو فهم غير سويٍّ؟! فذلك حينئذ جنايةٌ عظيمة وجراءةٌ واضحة، والله جلّ وعلا يقول: ( وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ ) [الحجرات:11] ، قال جماعة من المفسرين:"هو قول الرّجل لأخيه المسلم: يا فاسق، يا كافر"، ونبيّنا يقول في الحديث الصّحيح: (( سِباب المسلم فُسوق، وقِتاله كفر ) ) [2] .
معاشرَ المؤمنين، والشّريعة وهي التي تعتمِد على إقامةِ الحجّة وقطعِ المعذِرة لم تكتفِ نصوصُها بتلك التّوجيهات العامّة، بل جاءت الأدلّة الخاصّةُ في موضوعِها الصّريحةُ في توجيهاتها، كلُّها تحذِّر من التعجُّل في التكفير والتسارع في ذلك بلا تأصيل شرعيٍّ ولا منهج نبويّ، يقول: (( من حَلف بملّة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسَه بشيء عُذِّب به في نار جهنّم، ولعنُ المؤمن كقتلِه، ومَن رمى مؤمنًا بكُفر فهو كقتلِه ) )رواه البخاري [3] .
قال ابن عبد البرّ رحمه الله:"القرآن والسنّةُ ينهيَان عن تفسيقِ المسلم وتكفيرِه ببيانٍ لا إشكالَ فيه.. ـ إلى أن قال: ـ فالواجبُ في النّظر أن لا يكفَّر إلاّ من اتّفق الجميعُ على تكفيرِه، أو قامَ على تكفيره دليلٌ لا مدفعَ له من كتابٍ أو سنّة"انتهى [4] .
أيّها المسلمون، لقد حذّر النبيّ أمّتَه من التّساهل في تكفير المسلمين أو التّهاون في الأحكام عليهم بذلك بما هو أعظمُ زاجر وأكبرُ واعظٍ، فيقول: (( أيّما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدُهما، إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه ) ) [5] .
قال ابن حجر رحمه الله:"إنّ المقول له إن كان كافرًا كُفرًا شرعيًّا فقد صدَق القائل وذهب بها المقول له، وإن لم يكن كذلك رجعَت للقائل معرّةُ ذلك القول وإثمُه" [6] .
ومِن هنا ـ عبادَ الله ـ مضى العلماءُ من السّلف والخلف يحذّرون من التعجّل في التكفير والمسارعةِ في الوقوع في حكمٍ بذلك على أحدٍ من المسلمين، فكلامهم في خطرِ ذلك مِن الكثرة بمكان بحيثُ يتعذّر استقصاؤه أو الوقوفُ عند نهايته، ولكن لا بدّ من تشنيفِ الأسماع بتحقيقاتِهم والاستبصار بأحكامِهم والتبصّر في كلامهم المتِين وورعِهم العظيم، ممّا يتّضح معه أنّ الخوضَ في مسائلِ التكفير مِن أعظم مسائلِ الدّين وأكثرها دقَّةً، وأنّه لا يتمكّن منها إلاّ الأكابر مِن أهل العلم الربانيّين ذوي العِلم الواسع والفهم الثّاقب والخِبرة الطويلة والرّأي السديد والورَع الشّديد، وأنه لا يجوز لآحادِ المسلمين الخوضُ في مثل هذه القضايا، بل مِن الخطأ العظيم والإثم المُبين أن يتجاسَر على المسارعة إلى مثل هذه القضايَا الخطيرةِ من لا يبلغ عُشرَ مِعشار علمِ هؤلاء الأئمّة المتقدّمين، ولا يبلغ شأوَ أولئك الأعلامِ العاملين.
قال أبو حامدٍ الغزاليّ رحمه الله:"والذي ينبغي الاحترازُ منه التكفيرُ ما وُجد إليه سبيلاً، فإنّ استباحةَ الدماء والأموالِ من المصلّين إلى القبلة المصرّحين بقول: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، كلّ ذلك خطأ، والخطأ في تركِ ألفِ كافر في الحياةِ أهونُ من الخطأ في دمٍ لمسلم"انتهى [7] .
وقال ابن ناصر الدّين الدمشقيّ رحمه الله:"فلَعنُ المسلم المعيَّن حرام، وأشدّ منه رميُه بالكفر وخروجِه عن الإسلام، وفي ذلك أمورٌ غير مرضيّة"، ثمّ عدّدها رحمه الله، ثمّ ساق الأحاديثَ التي في الترهيبِ من التّكفير، ثمّ قال:"فهل بعدَ هذا الوعيدِ من مزيدٍ في التّهديد؟!"انتهى كلامه [8] .