فهرس الكتاب

الصفحة 7832 من 9994

أن يزعموا أن شريعة الله تعالى لا تمانع من اختلاط الرجال بالنساء. وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والدخول على النساء ) رواه الشيخان. فكيف إذا بالمكث عندهن وأمامهن وبجوارهن في ساعات العمل كل يوم. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم عمل على منع الاختلاط في الطريق أثناء الخروج من المسجد ، وما هو إلا لحظات ، وعقب عبادة عظيمة ، والرجال فيه والنساء من المصلين والمصليات ، وهم وهن أقرب للتقوى ، وأبعد عن الريبة ، فكيف بغير ذلك ؟ روت أم سلمة رضي الله عنها: (أنَّ النِّساء في عهدِ رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم كنَّ إذا سلَّمن من الصَّلاة قمنَّ وثبت رسولُ اللهِ صلَّى اللهِ عليهِ وسلَّم ومن صلَّى من الرِّجال ما شاءَ الله فإذا قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهِ عليهِ وسلَّم قامَ الرِّجال ) رواه البخاري والنسائي. وذات مرة وقع في الخروج من المسجد اختلاط غير مقصود فبادر عليه الصلاة والسلام إلى إنكاره ، وأوصى بما يزيله؛ كما روى أبو أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: استأخرن فأنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به) رواه أبو داود. وفي المسجد منع النبي صلى الله عليه وسلم الاختلاط ؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوفَ الرِّجالِ أولها وشرّها آخرهَا وخيرَ صفوف النِّساء آخرهَا وشرّها أولها) رواه مسلم. والمسجد أجل مكان وأشرفه ، والقلوب فيه متعلقة بالله تعالى، بعيدة عن الفساد والشر ، ومع ذلك حسمت فيه مادة الشر ، وسدت فيه ذرائع الفساد. وفي الطواف بالبيت وهو من أجل العبادات وأشرفها منع الاختلاط ؛ كما أخبر التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى أن النساء فيه لم يكن يخالطن الرجال وقال: (كانت عائشَة رضيَ اللهُ عنها تطوفُ حجرة من الرِّجال لا تخالطُهم) رواه البخاري. ولما وقع في عهد عمر رضي الله عنه شيء من اختلاط الرِّجال بالنِّساء في الطَّواف نهى أنْ يطوفَ الرِّجال معَ النِّساء ، فرأى رجلاً معهنّ فضربه بالدرّة.

تلك هي شريعَة اللهِ تعالَى في قضيةِ الإختلاط التي يسعى المُنافقون والشَّهوانيون لإقناع النَّاس أنَّ الإختلاط لا يعارضُ الدِّين ، وأنَّه من أسباب الرُّقي والتَّقدُّم ، كذبوا والله وضلُّوا وأضلُّوا. أفبعدَ هذه النصوص المحكمة الواضحة يليق بالمؤمنين والمؤمنات أن يصدقوا أكاذيبهم ، ويرضوا بمشاريعهم ويستسلموا لإفسادهم ، وإخراجهم لنساء المسلمين وبناتهم ، وقتلهم لحيائهن وإحصانهن وعفافهن ، ويتركوهم ينخروا في المجتمع ، ولا ينكرون ذلك عليهم؟! وقد استبان لهم الحق بأدلته ، وبان لهم الباطل بدجله وعورته ، وماذا بعد الحق إلا الضلال.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ , وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً , يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، ونشكره على فضله وإنعامه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم لقائه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .

أيها الناس:

عزل الرِّجال عنِ النِّساء ، واختصاصهنّ بأعمالِ المنزل وحضانة الأطفال ، واختصاص الرِّجال بالعمل والإكتساب هي الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها ، وسارت عليها البشريَّة طوال تاريخها في الشَّرق والغرب ، وعند سائر الأمم ، قبل أن تأتي الحضارة المعاصرة بهذا الضَّلال ومن قرأ تواريخ الحضارات والأمم السَّالِفة أيقن بحقيقة ذلك.ونزلت شرائِع الله تعالى على أنبيائِه ورسله عليهم السَّلام بما يوافِق هذه الفطرَة ، وقد أجمعت الشَّرائع كلها حفظ النَّسل من الإختلاط ، وعلى حفظ المجتمعات من الفساد والإنحلال ؛ ولذا كان الزِّنى محرماً على لسان كل المرسلين عليهم السلام، ويجمع كل العقلاء من البشر على أن الإختلاط أكبر سبب للزِّنى ، كما يجمع البشر على أنَّ الزِّنى سبب للأمراض والطَّواعين التي تفتك بالنَّاس ، والواقع يدل على هذه الحقائِق. ولا يماري في شيء من ذلك إلاَّ جاهل أو مكابر ، فمن دعا للاختلاط ورضيه فهو يدعو للزِّنى وانتشار الفواحش ، وهو يدعو كذلك لنشر الطَّاعون في النَّاس ، وإهلاكِهم به ، شاء ذلك أم أبى ؛ إذ إنَّ هذه الأمراض الخبيثة هي نتاج دعوته الخبيثة.وإن تعجب فعجب لأناس يدعون للإختلاط ، وينشرون الرَّذيلة في النَّاس ، ثمَّ يحذرون من انتشار مرض الإيدز ، فهل هم صادقون في تحذيرهم ؟ وهل يعقلون ما يقولون وما يفعلون؟ وهل هم إلاَّ كمَن يسقي الإنسان سماً ثم يصيح به محذراً إيّاه أنْ يموت ممَّا سقاه. إنَّه لن تجدي المُؤتمرات والنَّدوات والتَّوعية الصِّحيَّة والاجتماعيَّة في التَّخفيف من الأمراض المستعصية ، النَّاجمَة عن الممارسات الجنسيّة المُحرَّمة إذا كان المفسدون يخلطون بين الرجال والنساء ، ويوسعون دائرة الإختلاط يوما بعد يوم ؛ وينشرون في إعلامهم ما يسعر الشَّهوات ، ويدعو إلى الرَّذيلة؛ ولذا نوصيهم ألاَّ يكذبوا على النَّاس ويخدعوهم ، ويحذروهم من انتشار الإيدز ؛ لأنَّهم أكبر سبب من أسبابه حين شرعوا للإختلاط ، وأفسدوا الإعلام ، وفرضوا على الناس آراءهم الفكرية الشهوانية. يقول العلاَّمة ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا ريب أنَّ تمكين النِّساء من اختلاطهنّ بالرِّجال أصل كل بليَّة وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامَّة، كما أنَّه من أسباب فساد أمور العامَّة والخاصَّة.. وهو من أسباب الموت العام والطَّواعين المهلكة. ولمَّا اختلط البغايا بعسكر موسى عليه السلام، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفسير ، فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات. وكلام ابن القيم رحمه الله تعالى لا يعجب أهل الشر والفساد ، ودعاة الرذيلة والانحلال ؛ لأنهم مستعبدون في أفكارهم لما يمليه عليهم أهل الحضارة المعاصرة ، ومشربون بحب كتابات الغربيين ، فلا بأس من نقل شيء من أقوال الغربيين من باب قول الله تعالى {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } وحيث إنَّ المفسدين يزعمون أنَّهم بمشاريعهم التغريبية التخريبية ينصرون المرأة ويدافعون عن حقوقها في الاختلاط والفساد فإنني سأنقل بعض أقوال النساء الغربيات حتى نعرف رأيهن في الاختلاط وقد جربنه ، وسبقن نساء العالمين إليه ، ولسن متهمات بأنهن مؤدلجات أو متطرفات ، أو يعشن عصور الظلام والحريم كما يقول المنافقون والمنافقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت