إخوة الإسلام: وكما يمتحن المسلمون هذه الأيام بالهجهات والقاذفات والمدمرات يُمتحنون كذلك بتمييز الصفوف ومعرفة الحق من الباطل ، وتمييز المقاوم الصادق من المقاوم المستأجر ؟
وتلك محنة وبلية على المسلمين إلا يفعلوها فالنصر لا يتحقق إلا بصفاء الرايات وإخلاص المجاهدين، وحين يذهب الزبد جفاء يمكث في الأرض ما ينفع الناس، وفي التنزيل: (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم: 47) .
(( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) ( الصافات: 173) .
لا ينبغي إن تنسينا ويلات الحروب وتعقيدات الساسة سلامة المنهج وصحة المعتقد ، ونيل الهدف ، وسلامة المقصد، فقد تفاجأ الأحداث بما لا نتوقع ، وقد ينتقل صديقك اليوم إلى عدوٍ في غد، وما بالمسلمين حاجة أن يُعينوا جهة أو طائفة ما لتصبح بعد حين شوكةً في حلوقهم ما يُسمى بحزب الله في ينكأ في العدو الصهيوني ونحن نفرح لهذه النكاية، ولكنا نختلف مع الحزف في الأصول والمنطلقات ، وخلافنا مع الصهاينة أشد، ومن هنا نحتاج لموزنات لا نخدع فيها ولا نخذل .
كما أنه ليس بالمسلمين حاجة إلى مزيد من الفرقة والاختلاف على أمور يتسع فيها الخلاف.
إما إذا اختلفت الأصولُ والمنطلقات فهنا لا يسوغ التسرع والمجازفات ، وإذا كان من السياسة أحياناً مساعدة مقاتل على آخر قد ينكأ عدواً عنك - وإن اختلفت معه - كما فرح المؤمنون بمكة بانتصار الروم على الفرس ، فلا بد من الوعي وتقدير المواقف، وفقه الموازنات لا التنازلات والحذر والتحوط للأمر كلها .
عباد الله: والمخرج من الفتن النازلة التقوى والصبر ، ومعهما لا يضر الكيدُ والمكر (( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (يوسف: 90) .
(( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) ( آل عمران: 120) .
وكما يُبتلى المرابطون بالصدق في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، و إعداد المستطاع من القوة، ومغالبة الأعداء ومنازلة المعتدين .. يبتلى غيرُهم في النصرة والشعور بآلام إخوانهم، وتقديم العون والمساندة لهم والوعي بالمخاطر المحدقة داخل وخارج أرض المعركة إنها محن نُبتلى بها جميعاً .
العلماءُ بعلمهم ، والساسة بسياستهم ، والموسرون بمالهم ، والمفكرون بفكرهم، والمجاهدون بجهادهم ، والخاصة بصدق مشاعرهم ودعائهم ، وإذا توحدت المشاعر والقلوب على الحق فذلك مقدمات مهمة للنصر ، كما أن الاختلاف والتنازع مقدمات للفشل (( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ) ( الأنفال: 46) .
إخوة الإسلام: وحين يُعدم الدين وتنسف الأخلاق وتُباع القيمُ على قارعة الطريق ، فهناك تحدث المفاجئات ويقع ما ليس في الحسبان ، وتتجاوز الفجيعة الكبار إلى الصغار ، ألم تسمعوا برسائل الموت التي يبعثها أطفال اليهود إلى أطفال لبنان - إنها رسائل تكتب على رؤوس الصواريخ وتحمل عبارات الموت وتنتهي بالموت.
ربما لأول مرة في تاريخ الإنسانية تبعث هذه النوعية من الرسائل، حين ترى أو تسمع عن طفل يبعث بمظروف به عشرون طناً من المتفجرات ببريد أسرع من الصوت إلى أطفال آخرين براء .. فتصل الرسالة وتطحن الجريمة عظام الأطفال قبل أن تدمر لُعبتهم ... وتقتل فرحتهم بعد أن تعدم آباءهم وأمهاتهم .. أي جريمة أنكى من هذه .. وأي قيمة للبشر إثر هذا النوع من الرسائل للأطفال ؟
أين المبشرين بالديمقراطية والعدالة والحبِّ الإنساني.. هذه مبشرة ؟
وما ذا يُراد من مصطلح (الشرق الأوسط الجديد) أهذه ألوانه وتلك عناوينه، وبداياتُ فصوله ؟
لقد تجمعت مشاعر الغرب تجاه ما يتعرض له العرب والمسلمون .. وأصبحوا يألمون للكلاب التي تفر من أصوات القاذفات أو تهلك شظايا الراجمات أكثر مما يألمون للأطفال والنساء والشيوخ التي تصهر في أفران المعركة .
وهذه أحدٌ اللوحات الكاشفة لحضارة الرجل الأبيض .. ولوحةٌ أخرى ترسمها الممثلة الشهيرة الفرنسية (بريجبت) حينما أغفلت أطياف مشاهد الرعب والتدمير الإنساني في لبنان .. ليلفت نظرها فقط ويستدر عطفها فقط مناظر الكلاب الجريحة والهاملة في لبنان .. وحين فاضت عيونها وقطرت دموعُها ألماً لمشاهد الكلاب تلك .. تبرعت فوراً بميلغ خمسة آلاف يورو لإنقاذ هذه الكلاب .. كما قدمت كلَّ الشكر لمن يتبرعن بإنقاذها ؟
تلك مشاعرُ القوم وتلك مخرجات حضارتهم .. ولئن صمت هؤلاء عن مشاعر المسلمين التي تُقهر صباح مساء ، فالصمتُ أخطرُ حين يكون من الأقربين ..
وما لجرح بميت إيلام
وتبع المأساة نهايتها حين تتكرر المآسي في كل مكان .. يتكرر معها الصمت المخجل والمواقف من المتخاذلة وحينها يحق للشاعر الحرِّ أن يبكي الأطلال ويقول:
لما رأيتُ المسجدَ الأقصى وفي عينيه تاريخُ الجراح يمور
ورأيتُ غزةَ في براثن جُروحها والشعب فيها جائع محصور
ورأيتُ أرضَ الرافدين كأنها والنارُ في أرجائها تَنوُّر
ورأيتُ في لبنان قصفاً يصطلي بلظاه شيخٌ مُقعدٌ وصغير
ضاق الفضاءُ بطائرات عدوِه والبارجاتُ بها تضيق بحور
ورأيتُ صمتاً عالمياً موجعاً يُنعى به في العالمين ضمير
أيقنتُ أن الخطبَ في أوطننا جَللٌ وحالُ المسلمين خطير
د . العشماوي / الجزيرة 3/7 .
اللهم انصر دينك وعبادك المؤمنين وارفع الضراء عن المسلمين.
الخطبةالثانية
أيها المؤمنون: لا جزع من المقدور، ولا بأس ولا إحباط، ومن المحق تأتي المنح، ومن رحم آلام تولد الآمال، ومع العسر يسران إن مع العسر يسراً .. ولكن لا بد من تفكر في الحال والمآل، ولا بد من تعظيم للخالق، وعبودية صادق شكرٌ في حال الرخاء، وصبرٌ في حال الضراء ..
لا بد من إصلاح النفوس فذالك بداية التغيير، وهو مرحلة لا بد منها لتغيير الأحوال. (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ) (الرعد: 11) .
لا بد من الاعتبار بالحادثات وأخذ الحذر من المفاجئات، وإعداد العدة و.... القوة بمفهومها الشامل وبجوانبها المعنوية والمادية ، هذه هي لغة العصر التي نسمع للمحدث بها - قوةٌ في المعتقد، وقوة في الأخلاق، وقوة في اتخاذ المواقف، وقوة في حسن السياسة والتدبير ، وتمام ذلك قوةٌ ماديةٌ وأسلحة تحفظ القيم وتجعل الناس بمأمن - بعد الله - حين يتطاول المتجبرون ، ويحتال المتكبرون .
وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اللهُ فيه خيراً كثيراً .. ولربما أيقظت هذه الحدثات من هم في سباب نوم عميق - وربما رجع الشارد ، وتاب المذنب ، واستغفر المقصر ، واهتدى الضال ، ويثبت المتردد ، والمنهزم .
أجل لقد ورد على ألسنة بعض الناس - إن هذه الكوارث النازلة بسبب المعاصي والذنوب وقال قائلهم .. أليست المراقص والباراتُ ودور السينما الخليعة،، وأماكن البغاء ونحوها من المعاصي والفجور أسباب هذه المحن ؟ وإذا لم يخالف صاحب هذا الرأي والله يقول: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ) ( الشورى:30) .
فيقال كذلك وهل سلمت أماكنُ أخرى من هذه الموبقات فهل يتوب المسلمون إلى ربهم والله يقول لهم: (( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ) (التوبة: 126) .