* عليك أيُّها المسلمُ بتفقدِ سيارتِكَ وإصلاحها، فإنَّ هذا من الأخذِ بالأسبابِ لئلاَّ تلقي بنفسكَ وبمن معكَ إلى التهلُكة، وكلُّ شيءٍ بقضاءٍ وقدر.
* لقد كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا سافرَ خرجَ من أولِّ النَّهارِ، وكانَ يستحبُ الخروجَ يومَ الخميس، ودعا الله ـ تباركَ وتعالى ـ أن يُبارِكَ لأمتهِ في بكُورِها ( أ.هـ من زاد المعاد 1/468 ) .
وكانَ إذا وَدّعَ أصحابهُ في السفرِ يقولُ لأحدِهم: أستودعُ اللهَ دينكَ وأمانتَكَ وخَواتِيمَ عملِك ).
* عندما تركبُ سيارتُكَ تذكرُ نعمةَ اللهِ عليكَ، وكبرِّ ثلاثاً كمَا كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعلُ، ثُمَّ قُل: (( سُبحانَ الذي سخرَ لنا هذا وما كُنَّا لهُ مُقرنين، وإنَّا إلى رَبنا لمنقلبون، اللهمَّ إنَّا نسألُكَ في سفرنا هذا البرَّ والتقوى ومن العملِ ما ترضى، اللهمَّ هوى علينا سفرَنا هذا، وأطوي عنَّا بُعده، اللهمَّ أنتَ الصاحبُ في السفرِ، والخليفةُ في الأهل، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مَنْ وعثاءِِ السفرِ، وكآبةِ المنظر، وسوءِ المنقلبِ في المال والأهل ) ). ومعنى مقرنين: مطيقين. الوعثاء: هي الشدةُ والكآبة، هي تغيّرُ النفس، وضيقُ الصدر، وسوءِ المنقلبِ أي المرجع.
* ممَّا يُؤمرُ بهِ المُسافرونَ، أن يُؤمِّروا عليهم أحَدُ هُم، لأنَّ الآراءَ تختلفُ في تعيينِ المنازلِ والطرق، ومصالحِ السفرِ، فبَالتأميرِ ينتظمُ أمرُ التدبير، ويأمنونَ من الفُرقةِ والتنازع، وقد روى أبو داود عن نافعٍ عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كانَ ثلاثةُ في سفرٍ فيؤمِروا أحدهم ) ). قال نافعٌ فقلنا لأبي سلمةَ فأنتَ أميرُنا.
* على المسافرينَ إذا نزلُوا منزلاً أن يقُولُوا ما أرشدهم إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (( مَنْ نزل منزلاً ثم قال: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ من شرِّ ما خلق، لم يضَرهُ شيءٌ حتى يرتحلَ من منزلهِ ذلك ) ) [2] . وعليهم ألاَّ يتفرّقُوا في الأوديةِ والشعاب، لما روى أبو داودَ عن أبي ثعلبةَ الخُشَني رضي الله عنه قالَ: كانَ الناسُ إذا نزلُوا منزلاً تفرقُوا في الشعابِ والأودية، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ تفرقَكم في هذهِ الشعابِ والأوديةِ إنَّما ذلكَ من الشيطانِ، فلم ينزل بعد ذلكَ منزلاً إلاَّ أنضمَّ بعضُهم إلى بعض ) ).
* إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أشرفَ على مدينةٍ أو قريةٍ يُريدُ دُخولَها يقول: (( اللهم رَبَّ السمواتِ السبعِ وما أظلَلْنَ، ورَبَّ الأرضين السبعِ وما أقللن، ورَبَّ الشياطينِ وما أضللن، وَرَبَّ الرياحِ وما ذرينَ، أسألُكَ خيرَ هذهِ القريةِ وخيرَ أهْلِهاَ، وأعوذُ بكَ مِنْ شَرّها وشَرِّ ما فيها ) ) [3] .
* على المسافرِ عندما يُريدُ أداءَ الصلاةِ أن يُؤذِّنَ وإن كانَ وحدهُ ، وعليهِ أن يقصرَ الرباعيةُ إلى ركعتين، وإن احتاجَ إلى أن يجمعَ بينَ الظُهرِ والعصِر، أو بين المغربِ والعشاءِ فلا بأس، ويفعلُ الأرفقُ به من جمعِ التقديمِ أو التأخير، والحمدُ اللهِ على رفعِ الحرجِ ويسرِ هذا الدين.
* يجوزُ للمُسافرِ أن يُصلي النافلةَ وهُو راكبٌ ولو إلى غيرِ القبلةِ، قال ابنُ عمرٍ- رضي الله عنهما-: كانَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصلي وهو مقبلٌ من مكةَ إلى المدينة على راحلتهِ حيثُ كان وجهُهُ قال: وفيهِ نزلت، (( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) ) (البقرة: 115) .
وقال: (( كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوترُ على البعير ) ) [4] .
أمَّا سائقُ السيارةِ فإنَّهُ ينبغي ألاَّ يفعل ذلكَ لمَا فيهِ من الإنشغالِ والمخَاطرة.
أيُّها المسلمون: يُشرعُ للمسافرِ الإكثارُ من الدعاءِ، وسؤالَ اللهِ من فضلهِ، فإنَّ دعاءَ المُسافرِ مستجابٌ إذا كانَ أكلهُ حلالاً واستوفى شروطَ الدعاء.
وإذا أرتفعَ المسافرُ أو علا جبلاً فليكبرّ، وإذا هبطَ وادياً أو منخفضاًَ فعليهِ أن يُسبح. قال جابر رضي الله عنه: (( كُنَّا إذا صعدِنا كبرنا وإذا تصوبنا سبَّحنا ) ) [5] . ومعنى تصوبنا: أي نزلنا.
وفي حديثِ أبن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشهُ إذا علوا الثنايا كبّروا وإذا هبطوا سبحوا ) ).
أيُّها المسلم: إذا قَضيتَ حاجتكَ، وانتهت مهمتُكَ من سفرك، فعجِّل بالرجوعِ إلى أهلكَ، ثبتَ في صحيحِ البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: (( السفر قطعةُ من العذاب: يمنَعُ أحدَ كم طعامَهُ وشرابهُ ونومهُ، فإذا قضى نَهْمَتَهُ - أي حاجته - فليُعجِّل إلى أهله ) ) ( فتح الباري 3/778 ) .
فإذا قدمَ بلدَهُ أستحُبَّ لهُ أن يبدأ بالمسجدِ فيُصلي فيهِ ركعتين اقتداءً برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانَ يفعلُهُ وأمرَ بهِ جابرُ بن عبد الله ـ رضي الله عنهماـ حينَ قدمَ من سفر، قال: (( أدخل فصل ركعتين ) ) [6] .
اللهمَّ أهدنا ويَسِّر الهُدى لنا، واغفر لنا وارحمنا يا خيرَ الراحمين، اللهمَّ احفظ المُسافِرينَ من المُؤمنينَ في بَرِكَ وبحرك أجمعين.
أقولُ هذا القولَ وأستغفرُ الله لي ولكم، فاستغفروهُ إنَّهُ هُو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وسلم- وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. أمَّا بعد .
فيا أيُّها المُسلمون: اتقوا الله حَقَّ التقوى، فإنَّ أجسامكُم على النارِ لا تقوى.
أيُّها المُسلمون: إِنَّ المسلمَ الموفّقَ هُو المطيُعُ للهِ، العاملُ بأحكامهِ في سفرهِ وإقامته، وهُناكَ من الناسِ من يُسافِرُ فيرتكبُ منكراتٍ في سفره، فيرجعُ من هذا السفرِ وهُو مأزورٌ غير مأجور، فمن مُنكراتِ السفر:
السفرُ إلى خارجِ هذهِ البلادِ باسمِ السياحةِ والنزهة، زعموا لكنَّ الواقعَ غير ذلك، إنَّ مُعْظمَ هؤلاءِ إنَّما يُسافِرونَ لتلبيةِ شهواتِ النفسِ من اللهوِّ والمُتعةِ الحرام، وارتكابِ الفواحشِ، وما اللهُ بغافلٍ عمَّا يعملون ، إنَّ الأولى بالمسلمِ إذا اضطرَ إلى السفرِ إلى تلكَ البلادِ أن يكونَ داعيةً إلى الله، وقدوةً صالحةً لغيرهِ، إنَّ ممَّا ينفطرُ لهُ القلبُ حُزناً وأسى، أن يرى الإنسانُ بعضَ المنتسبينَ إلى الإسلامِ وهُم يُقيمُون بينَ الكُفَّارِ ويُجالِسُونَهم بدُونِ ضرورةٍ إلى السفر، وينتقلونَ بين البُلدانِ فلا ينطقُونَ بالحق، ولا يدعُون إلى الخير، ولا يُجاهِدُونَ المنكر، ولا يُطالِبُونَ بالإصلاح، بل ينقُضُونَ عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقه، ويُضيعُونَ الصلاة، ويتبعونَ الشهواتِ، فويلٌ لهم من عذابِ الله، فكم شَوهُوا جَمالَ الإسلامِ عندَ من لا يعرِفُهُ بأفعالِهمُ القبيحة، وكم صدُّوا مَنّ يريدُ الدخولَ فيهِ بتصرفاتِهمُ الخبيثة، ومع الأسفِ الشديدِ، فلا تزالُ الصحفُ والمجلاتُ ومكاتبُ السياحةِ تتبارى في إبرازِ الإعلاناتِ المُغرية، والدعاياتِ المُضللة، (( مَنْ دعا إلى ضلالهٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) ).