فهرس الكتاب

الصفحة 8072 من 9994

العامل الاقتصادي في ميزان هذا العصر هو العامل المقدم، وهو الأبرز عندهم، وهو المعيار لإقامة حياة اجتماعية أفضل عندهم؛ مما دعا إلى إضعاف وتهميش كثير من الحقوق والمعايير والعوامل؛ والمرأة في هذا العصر وهذا الميزان المائل المجحف الطاغي مكلفة بإعانة نفسها؛ سواء كانت بنتا أم زوجة في بيت زوجها؛ إن هذه المنزلة في هذا المعيار بثت في روح امرأة هذا الزمن أن على الجميع نساء ورجالا أن يرقدوا لاهثين ابتغاء جمع أكبر قدر من المال؛ لتحقيق أكبر قدر من المتع والكمالات؛ إن على كل ذكر وأنثى في هذا الزحام أن يهتم مستعجلا بشأن نفسه، وأن ينافس الآخرين لجمع المزيد من المال، وتحصيل أكبر قدر من الفرص؛ فتحت هذا المسار المفتاج والركب اللاهث؛ تضطر البنت وتدفع المرأة؛ لتخرج في كل صباح؛ لتبحث كأي فرد من أفراد الأسرة في سبيل عيشها وتحقيق متعها؛ بل لقد ألقوا في روع المرأة أن من العيب أن يحنو عليها والدها، أو يعطف عليها ليغنيها عن الخروج والكد والكدح؛ فمن العيب عندهم أن يكون الزوج مسئولا عن الإنفاق والرعاية.

وتحت سلطان هذه الفلسفة الضاغطة تضطر الزوجة، أو تحتاج إلى أن تخلي خيوط أعمالها في مسئولية الزوج عنها ورعاية أبيها لها.

وقد يقال: (إن هذا عند غير المسلمين) ؛ والواقع إن الناظر والمتأمل في الكتابات والتوجهات؛ يرى أن كثيرا من كتابات بعض المثقفين، ودعواتهم ونقاشاتهم تستحسن هذا المسلك، وتريد أن تجعله هو الأنموذج والغاية المنشودة والعمل المبتغى؛ ومع الأسف وبكل صراحة؛ فإن هم الاقتصاد ومتطلبات العمل هي مصدر كل الواجبات والمسئوليات في أفراد المجتمع كله؛ رجاله ونسائه أيا كانوا وكيفما كانوا.

إن غلبة عامل المال وطغيانه يقضي - شاء العقلاء أو لم يشاءوا - على الأسرة، ويدمر مقوماتها، ويهز المجتمع المستقر؛ لأن السوي لا يكون سويا إلا بلحمة الأسرة، ولا وجود للأسرة في الحقيقة؛ إلا بالتضامن والوئام الذي يشيع في أفرادها من خلال وضوح المسئولية لكل من الزوج والزوجة، والأب والأم، ورعاية الوالدين أولادهما.

بهذه الفلسفة وهذا التوجه تم إقصاء المرأة عن رعاية أولادها؛ بل إنه عرض أنوثتها للدمار، وكرامتها للامتهان، وحياءها للذوبان.

يا قومنا: انظروا إلى الأمر بجدية ومصداقية وتجرد؛ المرأة في الوقت الحاضر أخرجت إلى العمل ودفعت إليه دفعا؛ إنهم أخرجوها حينما جعلوا ذلك هو السبيل الوحيد للحصول على لقمة العيش وتحصيل الرزق؛ فهي تبحث عن العمل، وتقبل أي عمل، وتستغل أية فرصة - وإن لم تتفق مع طبيعتها - ما دام أنها تتعلق بضرورة معيشتها، ولا مناص لها أن ترضى بأي أمل؛ فالخيارات محدودة، وحكم المجتمع قائم؛ بل إنه ما من عمل قاس مجهد يمارسه الرجال؛ بل الطبقة الكادحة من الرجال إلا وتجد نساء كثيرات يمارسنه ويزاحمن فيه.

أيها الإخوة في الله: إن النظر بعين البصيرة والحكمة والمصداقية والنصح في بعض المجتمعات التي اقتحمت الباب على مصراعيه، واستسلمت لهذه الفلسفة؛ يراها في سباق محموم ونظرة مادية صرفة، ويرى نساء يمارسن أعمالا أذابت أنوثتهن، وأحالتهن إلى كتل متحركة من قسوة العمل، وقسوة المجتمع في أعمال قاسية، وأوقات أشد قسوة في الليل والنهار؛ بل في الوقت المتأخر من الليل؛ في الأنفاق والمناجم والمؤسسات والمشافي؛ وعلى نواصي الطرقات وأرصفة الشوارع؛ في أعمال يشمئز منها العقلاء والأسوياء والرحماء والمخلصون والناصحون؛ ناهيكم بالفضلاء المؤمنين.

أيها المسلمون: هذه بعض مآلات هذه الصورة؛ وإذا كان الأمر كذلك أو بعض ذلك؛ فكم هو جميل أن يرشد الطرح الإعلامي حول هذه الحقوق؛ والمشكلة أنه يجب الفصل بين القناعات الشخصية لبعض الكتاب والكاتبات، وبعض القناعات الفكرية، وبين ما هو حق وشرع.

إننا نتحدث عن فكر مسلم، وإعلام مسلم، وثقافة مسلمة متدينة؛ تسعى لتنظيف مجتمعات المسلمين من إسقاطات المجتمعات المادية؛ وهذا لا يكون ولن يكون إلا بالاعتزاز الحق بكمال دينها عقيدة وأحكاما؛ علما وعملا ومنهجا.

من الحق والعدل والإنصاف المطالبة بتوفير الفهم الواعي والناضج؛ دين وفقه ووعي لا يخشى الوافد، ولا يخاف الجديد؛ ولكنه قادر على توفير المناعة ضد الابتزازات؛ كما هو قادر على الاستفادة من الإيجابيات والخيرات؛ إعلام مستنير راشد يعزز دور المرأة الإيجابي، ويؤكد حقها ودورها في البناء والتنمية الشاملة في المجتمع كله، وحقها في التعليم والعمل والوظيفة الملائمة؛ إعلام مستنير راشد يرفض ويستنكر جميع أشكال استغلال المرأة في أي ميدان لا يقيم للقيم والفضائل وزنا؛ مما يفضي إلى تحقير شخصية المرأة، وامتهان كرامتها، والمتاجرة بجسدها وعرضها؛ وكأنها بضاعة من سائر البضائع التي تسوقها وسائل الإعلام.

حذار ثم حذار أن تقذف المرأة في دحاض الضياع والهوان والحرمان؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) ) (الأحزاب: 36,35) .

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى؛ لم يزل بنعوت الكمال والجلال متصفا؛ أحمده سبحانه وأشكره أهل الحمد والشكر والوفاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ مقرا بها إيمانا وتصديقا ومعترفا؛ وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله؛ أزكى الأمة فضلا وأعلاها شرفا صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار الحنفاء والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى؛ أما بعد..

فإن مطالبة صاحب الحق بحقه - رجلا كان أو امرأة - أمر مشروع، وأمر صحيح، وإجابته حق، وإعانته حق كذلك؛ ولكن يجب أن يكون بمعايير صحيحة، وضوابط دقيقة؛ تعطي كل ذي حق حقه، وتوصل الحق إلى مستحقه في عدل ووسطية؛ فيتحقق التوازن في المجتمع والأسرة.

إن مما يزيد الريبة والتخوف ما يظهر من دعوات في بعض وسائل إعلام المسلمين، وكتابات بعض كتابهم وكاتباتهم من دعوات إلى الزج بالمرأة المسلمة في كل ميدان من غير احتياط ولا تحفظ؛ بل بما يوحي أنه انجراف وتجاوب مع ما يطالب به منحرفون ممن لا يقيم للشرع وزنا؛ ولا للحشمة والعفة مقاما ولا مكانا.

ينبغي لرياح الإسلام؛ دولا وأمما وأسرا أن تتخذ من التدابير الضابطة ما يرفع الريبة ويبعث على الطمأنينة، ويتيح فرص العمل الآمن، ويحفظ التوازن الأسري داخل البيت وخارجه، وداخل المجتمع المسلم كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت