وما أكثر الذل الواقع على المسلمين اليوم بسبب ما كسبت أيديهم، فهانوا حتى على أعدائهم من اليهود والنصارى، ولن يرفع هذا الذل والهوان حتى يرجعوا إلى دينهم الحق، ويعرضوا عن الباطل.
أيها المسلمون: ومن آثار الذنوب ضيق الصدر ، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: (من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن دين الله ، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره ، ومحبة سواه ، فإن من أحب شيئا غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير ، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالا منه، ولا أنكد عيشا، ولا أتعب قلبا) .
أيها المسلمون: ومن آثار الذنوب وعقوباتها حرمان العلم النافع ،
لما رأى الإمام مالك الشافعي عليهما رحمة الله ، وأعجبه ما رآه من فطنته وتوقد ذكائه ، قال له إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية .
وضد العلم الجهل الذي هو السمة البارزة لأهل المعاصي، ولقد وصف الله تعالى مرتكب المعاصي بالجهل في آيات كثيرة، من ذلك قوله تعالى
على لسان يوسف الصديق عليه السلام: (( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) ) ( يوسف: 33 ) .
وقال سبحانه: (( وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ* أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) ) ( النمل: 54، 55 ) .
قال القرطبي- رحمه الله-: بل أنتم قوم تجهلون؛ إما أمر العقوبة، أو أمر التحريم.
وقال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل ثم قرأ قوله تعالى:
(( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (النحل: 119) .
وقال ابن القيم: (الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل بقدر من عصاه ، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها) [3] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من أشراط الساعة: أن يرفع العلم ، ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنى ) ) [4] .
أيها المسلمون: ومن آثار الذنوب وعقوباتها: زوال النعم،
وحلول النقم؛ من المصائب والبلايا، والزلازل والفتن والرزايا، قال تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) )
( الشورى: 30 ) .
وقال علي رضي الله عنه: (( ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ) ).
فتوبوا إلى الله جميعا أيها المسلمون واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله (( وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) ( الزخرف: 85 ) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) ) ( الأنعام: 3 ) .
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (( النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) ( الأعراف: 158) .
صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين (( يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ) ( الأعراف: 181) .
وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد - فيا أيها المسلمون - اتقوا الله تعالى: (( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) ( الأنفال: 25 ) .
معشر المسلمين: من أسباب الذنوب والمعاصي ضعف الإيمان، وعدم تعظيم أمر الله ونهيه، والاغترار بعفو الله، وكثرة الشبهات والشهوات، ومخالطة أهل المعاصي وقرناء السوء.
قال تعالى: (( وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) (الحديد: 14) .
قال يحي بن معاذ: ( من أعظم الاغترار؛ التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة) .
وقال ابن القيم: ( فمن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا، فهو المغرور) .
وقال أيضاً: ( أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك، عما خبئ لك، تغتر بصحتك، وتنسى دنو السقم ، وتفرح بعافيتك ، غافلا عن قرب الألم) .
قال تعالى: (( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) ) ( النساء: 123 ) .
أبو عثمان الحيرى: ( من الشقاء أن تعصي وترجو أن تنجو) .
وإذا غفل القلب - أيها المسلمون - عن ذكر الله جثم عليه الشيطان، وأخذ يصده ويمنيه.
وقال ابن القيم: ( كيف الفلاح بين إيمان ناقص، وأمل زائد، ومرض لا طبيب له ولا عائد، وهوى مستيقظ، وعقل راقد، ساهيا في غمرته عمها في سكرته، سابحا في لجة جهله، مستوحشا من ربه، مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته ، وذكر الله حبسه وموته ، لله منه جزء يسير من ظاهره ، وقلبه ويقينه لغيره ) [5] .
أيها المسلم: عليك بالخوف من الله تعالى، فإنه أعظم زاجر من الذنوب والمعاصي (( قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ) ) (الأنعام 15- 16)
أيها المسلم: حاسب نفسك كما كان السلف الصالح يحاسبون أنفسهم ، روى ابن الجوزي عن عثمان النيسابوري أنه انقطع شسع نعله في مضيه إلى الجمعة فتعوق لإصلاحه ثم قال: إنما انقطع لأني ما اغتسلت غسل الجمعة .
أيها المسلم: ابتعد عن مخالطة أهل المعاصي وقرناء السوء،
فإن مخالطتهم داء وبلاء، ذلك أن المخالطة والمجالسة السيئة، تحمل القلب على فعل السوء.
نسأل الله أن يعصمنا من السوء والزلل، وأن يوفقنا لحسن القول
وصالح العمل .
عباد الله: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ) (الأحزاب:56) .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين ..
[1] رواه مسلم رحمه الله .
[2] رواه مسلم.
[3] مدارج السالكين ( 1/120 ) .
[4] رواه البخاري ومسلم .
[5] (الفوائد ص83 ) .