فهرس الكتاب

الصفحة 8139 من 9994

عن محمدِ بنِ سِيرِينَ ـ رحمه اللهُ ـ قال: ذُكِرَ رِجَالٌ على عَهدِ عمرَ ـ رضي اللهُ عنه ـ فكأنهم فَضَّلُوا عُمَرَ على أَبي بَكرٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ قال: فَبَلَغَ ذلك عُمَرَ ـ رضي اللهُ عنه ـ فقال: وَاللهِ لَلَيلَةٌ مِن أَبي بكرٍ خَيرٌ مِن آلِ عُمَرَ ، وَلَيَومٌ مِن أَبي بكرٍ خَيرٌ مِن آلِ عُمَرَ ، لَقَد خَرَجَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ لِيَنطَلِقَ إلى الغَارِ وَمَعَهُ أَبو بكرٍ ، فَجَعَلَ يمشِي سَاعَةً بَينَ يَدَيهِ وَسَاعَةً خَلفَهُ ، حتى فَطِنَ له رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فقال:"يا أَبا بكرٍ ، مالك تمشِي سَاعَةً بَينَ يَدَيَّ وَسَاعَةً خَلفِي ؟"فقال: يا رَسولَ اللهِ ، أَذكُرُ الطَّلَبَ فَأَمشِي خَلفَكَ ، ثم أَذكُرُ الرَّصَدَ فَأَمشِي بَينَ يَدَيكَ . فقال: يا أَبا بكرٍ ، لَو كَان شَيءٌ أَحبَبتَ أَن يَكونَ بِكَ دُونِي ؟ قال: نَعَمْ ، والذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ، ما كانت لِتَكونَ مِن مُلِمَّةٍ إِلاَّ أَن تَكونَ بي دُونَكَ . فَلَمَّا انتَهَيَا إلى الغارِ قال أبو بكرٍ: مَكَانَكَ يَا رَسولَ اللهِ حتى أَستَبرِئَ لَكَ الغَارَ ، فَدَخَلَ وَاستَبرَأَهُ ، حتى إذا كان في أَعلاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لم يَستَبرِئِ الحُجرَةَ ، فقال: مَكَانَكَ يَا رَسولَ اللهِ حتى أَستَبرِئَ الحُجرَةَ ، فَدَخَلَ وَاستَبرَأَ ثم قال: اِنزِلْ يَا رَسولَ اللهِ ، فَنزَلَ . فقال عُمَرُ: والذي نَفسِي بِيَدِهِ ، لَتِلكَ اللَّيلَةُ خَيرٌ مِن آلِ عُمَرَ ... فَانظُرُوا كيف فَعَلَتِ المحبَّةُ الصَّادِقَةُ بِأَبي بكرٍ وَأَيَّ شَيءٍ أَدَّى بِهِ الخَوفُ عَلَى النبيِّ مِنَ المُشرِكِينَ ، يَتَمَنَّى لَوِ استطاع أَن يَحمِيَهُ مِن خَلفِهِ وَمِن أَمَامِهِ ، وَيَوَدُّ لَوِ انقَسَمَ فَصَارَ قِسمٌ مِنهُ بَينَ يَدَيهِ وَآخَرُ مِن خَلفِهِ ، فلا يجِدُ وَلا يَستَطِيعُ إِلاَّ أَن يُبَادِلَ المَشيَ مِن هُنا وَمِن هُنا ، لَعلَّ مَا قد يُرِيدُ الرَّسولَ بأذى أن يَقَعَ لهُ هو دُونَ الحبيبِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ثم يُكَرِّرُ مَشهَدَ المَوَدَّةِ في الغارِ ، فَيَدخُلُهُ قَبلَ الحبيبِ ؛ لِيُنَظَِّفَهُ ممَّا قد يَكُونُ فيه مِن هَوَامَّ وَخَشَاشٍ أَو أَشوَاكٍ أَو نحوِها ، لِئلا تُؤذِيَ رَسولَ اللهِ أَو تمسَّهُ بما يَكرَهُ ، فَرَضِيَ اللهُ عن صِدِّيقِ الأُمَّةِ وَأَعلَى دَرَجَتَهُ ، وَرَضِيَ اللهُ عن أَبي طَلحَةَ وَزَيدِ بنِ الدِّثِنَّةِ وعن سائِرِ الأصحابِ ، أَمَّا زَيدُ بنِ الدِّثِنَّةِ ـ رضي اللهُ عنه ـ فإنه لمَّا اجتَمَعَ رَهطٌ مِن قُرَيشٍ لقتلِهِ ، وقال له أبو سُفيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقتَلَ -: أَنشُدُكَ بِاللهِ يَا زَيدُ ، أَتُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآنَ عِندَنَا مَكَانَكَ نَضرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ في أَهلِكَ ؟ قال: واللهِ ما أُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآنَ في مَكَانِهِ الذي هو فيه تُصِيبُهُ شَوكَةٌ تُؤذِيهِ وَأني جالسٌ في أَهلي !! فقال أَبو سُفيَانَ: مَا رَأَيتُ مِنَ الناسِ أَحدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصحَابِ محمدٍ محمدًا ، ثم قَتَلُوهُ ـ رضي اللهُ عنه ـ

وَأَمَّا مَوقِفُ أبي طلحةَ فقد رواه البخاريُّ عن أنسٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ انهزمَ الناسُ عنِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وأَبو طلحةَ بَينَ يَدَيِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مُجَوِّبٌ عَلَيهِ بِحَجَفَةٍ له ( أَيْ مُحِيطٌ بِهِ بِتُرسٍ لِيَحمِيَهُ ) وكان أبو طلحةَ رجلاً رَامِيَا شَدِيدَ القِدِّ ( أَيْ أَنَّ وَتَرَ قوسِهِ مَشدُودٌ لِقَوِّتِهِ ) يَكسِرُ يَومَئِذٍ قَوسَينِ أَو ثَلاثًا ، وكان الرجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الجَعبَةُ مِنَ النَّبْلِ ، فَيَقُولُ: انثُرها لأبي طَلحَةَ ، فَأَشرَفَ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَنظُرُ إلى القَومِ ، فَيَقُولُ أَبو طلحةَ: يَا نبيَّ اللهِ ، بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي ، لا تُشرِفْ يُصبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ ، نحري دُونَ نحرِكَ .. فَرَضِيَ اللهُ عنه وأرضاه ، ما أَغلَى مَا فَدَى بِهِ رَسولَ اللهِ ! فَدَاهُ بِنَحرِهِ وَوَقَاهُ بِصَدرِهِ ، وَجَعَلَ نَفسَهُ حَائِطًا يَصُدُّ سِهَامَ القَومِ عَن جَسَدِ الحبيبِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ

أيها المسلمون: ولم يَكُنْ أَمرُ محبَّةِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مَقصورًا على الرِّجالِ مِنَ الصحابةِ دُونَ النِّساءِ ، بل لَقَد كان فِيهِنَّ مَن ضَرَبَت في ذلك مثلا ، فقد أخرج الطبرانيُّ عن أنسِ بنِ مالكٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ حَاصَ أَهلُ المَدِينةِ حَيصَةً وقالوا: قُتِلَ محمدٌ ، حتى كَثُرتِ الصَّوارِخُ في نَاحِيَةِ المَدينةِ ، فَخَرَجَتِ امرأةٌ مِنَ الأَنصَارِ مُتَحَزِّمَةً ، فَاستُقبِلَت بِابنِها وَأَبِيها وَزَوجِها وَأَخِيها ، لا أَدرِي أَيَّهُم استُقبِلَت بِهِ أَوَّلاً ، فَلَمَّا مَرَّت على آخرِهِم ، قالت: مَن هذا ؟ قالوا: أَبوكِ ، أَخوكِ ، زَوجُكِ ، ابنُكِ ، تَقُولُ: ما فَعَلَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ؟ يَقُولُونَ: أَمَامَكِ ، حتى دُفِعَت إلى رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَأَخَذَت بِنَاحِيَةِ ثَوبِهِ ، ثم قالت: بِأَبي أنت وَأُمِّي يَا رَسولَ اللهِ ، لا أُبَالي إِذَا سَلِمَتَ مِن عَطَبٍ ...

وفي السِّيرةِ لابنِ هِشامٍ أنه ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مَرَّ بِامرأةٍ مِن بَني دِينَارٍ وقد أُصِيبَ زَوجُها وَأَخُوها وَأَبُوها مَعَهُ بِأُحُدٍ ، فَلَمَّا نُعُوا لها قَالَت: فَمَا فَعَلَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ؟ قَالُوا: خَيرًا يَا أُمَّ فُلانٍ ، هو بِحَمدِ اللهِ كَمَا تُحبِّينَ ، قالت: أَرُونِيهِ حتى أَنظُرَ إِلَيهِ . قال: فَأُشِيرَ لها إليه ، حتى إذا رَأَتْهُ ، قالت: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَلٌ .. أَيْ كُلُّ مُصِيبَةٍ دُونَكَ هَيِّنَةٌ صَغِيرَةٌ . فَرَضِيَ اللهُ عن صحابةِ رَسولِ اللهِ وأرضاهم ، وجزاهم خيرًا عن نَبِيِّهِم وَدِينِهِم ، فقد آمنوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ حَقَّ الإِيمانِ ، وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَنَافَحُوا عن رَسولِ اللهِ .

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ) ).

الخطبة الثانية

أما بَعدُ ، فاتقوا اللهَ ـ تعالى ـ حَقَّ التقوى ، وتمَسَّكوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروةِ الوُثقى"وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا".

أيها المسلمون: وَإِذَا كان ما سَبَقَ مِن مَوَاقِفَ لِلصَّحَابَةِ الكِرامِ ـ رُضوانُ اللهِ عليهم ـ تَدُلُّ على شَدِيدِ محبَّتِهِم لِنَبِيِّهِم وحبِيبِهِم ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ فَإِنَّ في أُمَّتِهِ الآنَ مَن يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، يَوَدُّ مَعَهُ لَو رَآهُ وَأَنَّهُ لم يَرَ مَالاً وَلا أَهْلاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت