فهرس الكتاب

الصفحة 8144 من 9994

ألا وإنه لا يكفي أن تتردد كلماتُ الذكر على الألسن والقلوبُ غافلةٌ غارقةٌ في الشهوات، إن حقيقة الذكر تعظيمُ من ذُكر، ومن علائم الذاكرين الصادقين أن توجل قلوبهم إذا ذُكر الله، ويزداد إيمانُهم إذا تليت عليهم آياته (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ) (الأنفال:2) .

وإذا رمت يا أخا الإسلام أن تعلم قدر ذكرك لله فانظر في صدق محبتك لله وذودك عن شريعته، والتزامك بهدي محمد r وسنته، ويبقى بعد ذلك ذكرُك لله تعظيماً وتعبداً واعترافاً بأنه أكبرُ من كل شيء، ومع ذلك كله فذكرُ الله لعبادة بالثوابِ والثناء عليهم أكبرُ من ذكرهم إياه في عبادتهم وصلواتهم، كذلك قال ابنُ مسعود وابنُ عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمانُ والحسن في معنى قوله تعالى: (( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) ) (العنكبوت:45) (تفسير القرطبي 13/349) .

اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين، وتقبل منا أعمالنا يا رب العالمين، أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، لك الحمدُ في الأولى، ولك الحمدُ في الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين .

عباد الله: أما المعنى الثاني الذي تذكرنا به مناسكُ الحج ولا يكاد يغيب شأنهُ عن غير الحاج فهو عداوة الشيطان للإنسان، ولقد سن الخليلُ عليه السلام لنا في الحج رميَّ الجمار إشعاراً بمراغمة الشيطان وعصيانه وقطعاً لوساوسه حين عرض له في المناسك، وإذا كان الرميُ بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة للشيطان كما ذكر المحققون (الشنقيطي، أضواء البيان5/316) ، فإن الاكتفاء بهذا المظهر من مظاهر عداوته، والاقتصار على المراغمة في هذا الزمان والمكان - أعني زمان الحج، ومكان الجمرة - تقليلٌ من شأن عداوته، وتجاهلٌ لإغوائه في كل زمان ومكان، وهو الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو الذي قعد لابن آدم في أطرقه كلِّها.

أجل إن مناسك الحجِّ ينبغي أن تكون مُذَكِّرةً بهذا العدوِّ المتربص بنا قبل خلقنا، أوليس هو الذي أخرج أبانا آدم عليه السلام من الجنة ؟ أوليس قد ابتدأ عداوته لنا بنخسنا يوم أن يخرجنا الله من بطون أمهاتنا؟ وذلك بداية صراخ الطفل عارياً، وفي الحديث الصحيح: (( مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) ) [1] . ليس ذلك فحسب، بل شاء الله وقدَّر أن يبقى قرينُ الجنِّ مع قرين الملائكة مصاحبين لنا ما بقيت حياتُنا (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ ومَعَهُ شَيْطان ، قَالُوا: وَأَنَتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَأَنَا ، إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ) )

لقد توعد الشيطانُ الرجيمُ بإغوائنا، وتهيأ وجنودُه ليقعدوا لنا بأطرق الخير كلِّها (( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) ) (الأعراف:17,16) .

وأخبرنا المولى جلّ جلالهُ - وخبره صدق- بعداوة الشيطان لنا فقال: (( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) ) (البقرة:168) .

وأرشدنا سبحانه إلى المخرج من عداوته باتخاذه عدوَّاً: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) (فاطر:6) .

ليس يكفي أن نعلم عداوته ، وليس يُجدي أن نلعنه بألسننا وهو يتلاعب بعقولنا، ولقد كان الفضيلُ بنُ عياض: يقول:"يا كذاب يا مُفْترٍ، اتق الله ولا تَسُبَّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السَّر" (تفسير القرطبي 14/323، 324) .

يا أخا الإسلام: واحذر غاية الحذر أن تكون من نصيب الشيطان الذين اختصهم فقال: (( وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ) ) (النساء: 118-121) .

وكن يا عبد الله من أولياء الله الذين قال فيهم: (( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) ) (سورة الحجر:42) .

قال ابنُ السماك:: يا عجباً لمن عصى المحسنَ بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته (تفسير القرطبي 14/324) .

أيها المسلمون: واقتضت حكمةُ الله أن تبقى المعركةُ قائمةً ومتجددةً بينكم وبين الشيطان، وليس مِنّا إلا وعليه للشيطان مدخل بل مداخل، ولكن سلاح المجاهدة والاستعداد للمعركة بكل طاقة يضعف من عداوته، بل وربما بلغت المجاهدة بأقوام إلى حدٍ يفرق منهم الشيطان، فإذا سلكوا فجاً سلك الشيطانُ فجاً آخر، وربما أنضى المجاهدون الصادقون شياطينهم كما يُنضي المسافرُ دابته بطول السفرِ وكثرةِ الأعباء .

عباد الله: وإذا كنتم راغمتم الشيطان هذه الأيام فمن حج منكم وشهد المشاهد ووقف المناسك وفيها ذل الشيطانُ وصغر، ومن لم يحج وتقرب إلى الله بصالح الأعمال في الأيام الفاضلة فصلى وصام وتصدق ووصل ونحر وهلل وكبر، فهذه وتلك كانت عوناً لكم على مراغمة الشيطان، ألا فاتخذوا منها عوناً -بعد الله- على مراغمته فيما تستقبلون من أيامكم، وتلك وربي من منافع الحج وفقه العبادات فاعقلوها.

أيها المسلمون: حبلُ الحياة قصير، ونعيمُ الجنة خلودٌ أبدي، فلا تغرنكم الحياةُ الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، واتخذوا من هذه الدار مزرعةً للحياة الباقية، واستعينوا بذكر الله والصلاة على مراغمة الشيطان وعداوته، وغالبوا أنفسكم على طاعة الله، وصبِّروها عن المحرمات.

وإذا عظَّمتم الله حق تعظيمه ذكراً وخوفاً وطاعةً ومجاهدةً في سبيله ونصرةً لدينه، ثم راغمتم الشيطان وضيقتم مسالكه ولم تستهوكم إغراءاتهُ ووساوسُه عشتم في هذه الحياة سعداء آمنين، وانتقلتم بعد الممات إلى درجات النعيم، وبين هذا وذاك تتنَزَّل عليكم الملائكة حين الممات لتستعجل لكم البشرى: (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) ) (فصلت:30-32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت