أيها الأخوة: ومن معاني التقوى التعود على شظف العيش ، وترك ملاذ الحياة ، والإقلال منها ، وليحس المسلمون الصائمون بأن لهم إخواناً يعيشون الصيام طيلة عامهم ، فلا يجدون الطعام والشراب الذي يكفيهم من شدة الخصاصة والفقر ، ليبذلوا المال بعد ذلك سخية ببذله نفوسهم ..
أيها الأخوة ..
( الوقفة الثانية ) : وقال تعالى ( أياماً معدودات ) فمن رحمة الله بعباده أن جعل الصيام أياماً معدودات ، فليس فريضة العمر ، وتكليف الدهر ، ومع هذا أعفى من أدائه المرضى حتى يصحوا ، والمسافرين حتى يقيموا ، رحمة وتيسيرا ..
أياماً معدودات ، ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، وأيضاً فثمة أمر جليل تؤديه هذه الآية فقد قال تعالى وهو أعلم بمن خلق ، قال عن أيام رمضان ( أياماً معدودات ) لأنها سريعة التقضي ، سريعة الأفول ، فحري بعبد يرجوا ما عند الله ألا تفوته هذه الأيام القليلة ، باستغلالها بطاعة الله عز وجل ، فقد جاء في الصحيحين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ويقول ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ويقول ( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) رواه أهل السنن بإسناد صحيح ..
فلا يفوتك هذا الفضل العظيم ، والعطاء الجسيم ، فبمجرد قيامك مع الإمام ساعة أو أقل تكتب عند الله قائماً لليل كله ، فمن يزهد في هذا العطاء الإلهي والمنحة الربانية ..
أيها الأخوة:
الوقفة الثالثة:- قال تعالى في ثنايا آيات الصيام ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان ... ) .. فرمضان شهر القرآن وكان السلف رحمهم الله إذا أقبل رمضان أقبلوا على القرآن ، وتركوا كتب أهل العلم .. ، قال الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول ( إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام ) ، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ، ترك قراءة الحديث ومجالس العلم ، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف ، وكان قبلهم المعلم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن في كل رمضان ، فيعرض عليه ، حتى إذا كان سنة وفاته عليه الصلاة والسلام عرض عليه مرتين ، فما أحوجنا أيها الإخوة لهذا القرآن العظيم ، وخاصة في هذا الشهر الكريم ، فأكثروا فيه من تلاوة القرآن وتأمل معانيه وتدبره والعمل به ..
آيات من القرآن يلين بها ما قسى من القلوب ، وسيشهد بها ما جف من المآقي ، فوا عجباً لنفوس لا تستعذب تلاوة كلام الله ولا ترق لكلام الله ، ولا تلين جلودها وقلوبها لكلام الله ، لقد أثنى الله على عباده المؤمنين فقال ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) نعم .. هذا توفيق وهداية لا يوفق إليها كل واحد .. ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) ووا عجباً من قلوب كيف تعيش وليس لها ورد من كتاب الله ، وواعجباً من قلوب ما أقساها وهي لا تحرك قلوبها بتلاوة كلام الله ، لقد عاتب الله الصحابة وهم حدثاء عهد بإسلام ، فقال ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق )
فحرب بك أخي المسلم أن تجعل لك ورداً من كتاب الله تتأمل فيه ، وتتلوه تحرك به قلبك ، وتدر به دمعك ، وتغير به حياتك ، ولا يكن همك آخر السورة بل اتلوا بتمعن وتدبر ..
الوقفة الرابعة ..
أيها الأخوة: ومما جاء في آيات الصيام .. قال تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فعلى كل من أدرك شهر رمضان وهو قادر على صومه فواجب عليه الصوم ، فيمسك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، متعبداً لله عز وجل بذلك ، فمن تناول شيئا من المفطرات مختاراً غير مكره ، ذاكراً غير ناسٍ ، عالماً غير جاهل ، لم يصح صومه ..
أما المريض فإن كان مرض يرجى برؤه وشفاءه ، فهذا يفطر مدة مرضه ويقضي مكان الأيام التي أفطرها ، وإن كان مرضه لا يرجى شفاءه فهذا يطعم عن كل يوم مسكين ، لكل مسكين نصف صاع أي: كيلو ونصف من الأرز ونحوه ، أو إن شاء جمع فقراء بعدد الأيام التي أفطرها وأطعمهم ، فإن ذلك يجزئه ..
وأما المسافر فإن كان الصوم لا يشق عليه فالصوم أولى إبراء للذمة ، وأما إن كان يشق عليه الصوم أو يضره ، فإنه يجب عليه الفطر ..
واعلموا أيها الإخوة .. أن المريض الذي يضره الصوم لا يجوز له الصوم ، والصوم في حقه حرام ، فإذا قرر الأطباء أن هذا المريض يضره الصوم ، فلا يجوز له الصوم بل يطعم ولا شيء عليه ، ومن يغسل الكلى فهؤلاء لا صوم لهم ، ولا يصح منهم حال غسيلهم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، وغسيل الكلى إخراج للدم من البدن ، فإن كان يستطيع الصوم في أيام التي لا يغسل فيها صامها ، وقضى مكان الأيام التي أفطرها ، وإن كان لا يطيق الصوم فإنه يطعم عن كل يوم مسكين ..
واعلموا أيها الإخوة .. أنه كل ما كان في معنى الأكل والشرب ، كحقن الدم ، والإبر المغذية فإنها مفطرة لأنها تقوم مقام الأكل والشرب من حيث استغناء الجسم بها .. ومن أراد البسط في هذا فليرجع لكتب أهل العلم ، وليسأل عما أشكل عليه ..
الوقفة الخامسة: قال تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) لقد جاءت هذه الآية في ثنايا آيات الصيام ، يا لها من آية عجيبة ـ آية تسكب في قلب المؤمن النداوة والطمأنينة ، والراحة والأنس ، فللصيام أثر في إجابة الدعوات ، فاعرضوا حاجاتكم على مولاكم وخالقكم ، اعرضوا عليه سؤالكم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الله تعالى ليستحي من أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيها خيرا فيردهما خائبتين ) ..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يدعوا بدعوة ليست بإثم ولا قطيعة رحم إلا كان له إحدى ثلاث ، إما أن يستجيب الله له ، أو أن يصرف عنه السوء مثلها وإما أن يدخرها له يوم القيامة ) ، فقال الصحابة يا رسول الله إذا نكثر ؟ فقال ( الله أكثر ) ..
تقبل الله منا صيامنا وقيامنا ، اللهم أعنا على القيام بطاعتك في هذا الشهر الكريم ، واجعلنا من المقبولين ، ومن المعتوقين من النار ..
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ....
الوقفة السادسة: قال تعالى بعد ما ذكر فرض الصوم على عباده ، وإنه وضعه عن المسافر والمريض ، قال ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ، إنها القاعدة الثابتة الراسخة في كل ما فرض الله علينا ، فليس فيما فرض الله علينا أراده علينا به العسر .. كلا ، فلقد أراد بنا اليسر يوم أن فرض علينا الصلاة ، فجعلها خمس صلوات في اليوم والليلة ، ولم يجعلها خمسين صلاة ، وأراد بنا اليسر يوم أن فرض علينا الزكاة ، فجعلها في جزء بسيط من المال ، وهي مع ذلك تزكية وتنمية ، ولقد أراد الله بنا اليسر يوم افترض علينا الصيام ، فقد جعله شهراً في السنة ، وخفف على المسافر والمريض ، وجعل الصوم مدة النهار ، ويعود الصائم في ليلة كأيام فطره فيباح له كل شيء مما أباحه الله عز وجل ..