فهرس الكتاب

الصفحة 8234 من 9994

والشيء الذي ينبغي أن ننتبهَ له: أنَّ هذا حقٌ مثل {مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذريات: من الآية23] .

وليس بينكَ وبين ذلك الموقف إلاَّ رحلةُ الموت حين يقال: فلان مات، فإذا قيل: فلان مات انتهى الأمر، وانقطعت بك الحياة، و انتقلت مأسورًا إلى ذلك الموقف بين يدي الله سُبحانه وتعالى.

فهذا اليوم حقٌّ لا شك فيه لقول الله سبحانه وتعالى {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [سورة الحاقة:3] الساعة هي الحاقة، لأنَّها حقٌ لا شك فيه.

لذلك: فإنَّ الإنسان يخافُ من ذلك الوقوف، ومن ذلك الموقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى، يخافُ من الحساب ومن الجزاء.

كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم - وهم أصحابه المجاهدون معه- الواحد منهم يبكي، فيُقال له: يا صاحب رسول الله! كيف تبكي وأنت فعلت وفعلت وفعلت؟! فيقول: وما لي لا أبكي، وإنني يوم القيامة أخافُ أن يلقيني في النارِ ولا يُبالي.

من أنت أيُّها العبد؟! خاصةً إذا كثرت ذنوبك ومعاصيك، إنك ضعيفٌ مستضعف، والله سبحانه وتعالى هو ملكُ الملوك، جبارُ السماوات والأرض.

فاعرف قدرك يا عبد الله، اتق الله تبارك وتعالى بعملِ الصالحات، والبعدِ عن المحرمات، اتق الله تعالى في نفسكَ وولدك وجيرانك، اتق الله تبارك وتعالى في عملك، اتق الله في بيعك وشرائك، فإنَّك والله واقفٌ بين يدي ربك تبارك وتعالى للحساب وللجزاء، وإذا ما اتقيت الله تعالى حصلت لك فرحتان يوم القيامة:

إحداهما: النجاة من عذاب الله، وهذه والله نعمةٌ كبرى، يتمناها أهل النار، بل يتمنون أن يخرجوا من النار يومًا واحدًا فقط، كما قال سبحانه {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} [غافر:49] ومع ذلك لا يُمَكَّنون، فكيف بنعمةِ الله الكبرى وهي أنَّ اللهَ يُنجيك من النار؟!

الثانية: أنَّ الله يجعلُ مقامك مقامًا طيبًا في جناتٍ ونهر، في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، قال الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيد} [سورة إبراهيم14] ، {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران: 175] .

فتذكر دائمًا ذلك اليوم الآخر، تذكر الوقوفُ بين يدي ربك سُبحانه وتعالى وأنت ذليل، ليس معك شيءٌ من هذه الدنيا حتى اللباس، لأنك تبعث كما ولدتك أمك عريان، ماذا تقولُ لربك: إذا قال ألم أنعم عليك بنعمٍ عظيمةٍ لا تُقدرُ بثمن؟ ألم أنعم عليك بالصحة؟ ألم أنعم عليك بالبصر؟ ألم أنعم عليك بالسمع، ألم أنعم عليك ببقية الحواس؟ ألم أرسل لك الرسل؟ وأنزل عليك الكتب؟ ماذا صنعت بنعمي هذه؟ ماذا تقولُ في الجواب يا عبد الله؟ وهذا والله كائنٌ لا محالة.

الأثر السابع: تربية الأولاد على مراقبة الله

إنَّ الإيمان باليوم الآخر ميزانُ التربية في الأسرة.

إنَّ من المؤسفِ حقًا أنَّ بعض الآباء والأمهات يُربون أولادهم تربيةً مادية فقط، لا تكادُ تختلفُ عن تربيةِ الكفار، يقول الأب أو الأم لولدهما: اعمل كذا حتى تمتلك غدًا سيارة، وتكون صاحب وظيفةٍ وشهادة، ومنصب مرموق، وتتزوج ويكون لك أولاد.

وهذا كله يستوي فيه أهل الدنيا من المؤمنين والكفار، ولكن أين التربية الإيمانية التي تربط الطفل وتربط الأسرةَ بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟!

إننا مقصرون في إيماننا باليوم الآخر، وأولى علامات التقصير أننا لا نُذكِّرُ أنفسنا ولا أُسَرِنَا باليوم الآخر.

كان السلف- رحمهم الله تعالى- يعلمون أولادهم أشراطَ الساعة، والإيمان بالقبرِ ونعيمهِ وعذابه، والإيمان باليوم الآخر والجنة والنار، حتى ترتفعُ نفسهُ إلى الآخرة، وحتى ينتقلُ من دنياه الدنية، لتصعدَ نفسهُ وروحه،وتسمو إلى رضا الرحمن وطلب جنته.

وأما واقع أبناء بعض المسلمين اليوم أنه ربما كان عنده من المعلوماتِ عن الكرةِ أو الممثلين، أو غيرِ ذلك، أضعافًا مضاعفةً إذا ما قسناها بمعلوماتهم عن الإيمان باليوم الآخر، مع أنَّ الإيمانَ باليوم الآخر دينٌ وعقيدة، مصدرهما قرآنٌ وسنة.

ثمَّ من علامات التقصير أيضًا: أننا لا نُربي أبناءنا على الإيمان باليوم الآخر، لماذا لا نُعلِّمُ أولادنا أنَّ اللهَ موجودٌ مُطلعٌ علينا؟!

لماذا لا نُعلِّمهم ونقول لهم: إنك أيُّها الغلام أو أيتها الفتاة إذا عملتم خيرًا تجدونه عند الله، وإن عملت غيرَ ذلك فإنَّكم ستُحاسبون عليه؟!

نربيهِم على هذا كما نعلمهُم الصلاة، نعلمهم كلَّ أمور العقيدةَ بالمثالِ العملي.

إذا ما تربتِ الأسرةُ على هذا المنهج صارت هُناك يقظةً إيمانية، حتى ورب الأسرةِ غافلٌ أو مُسافرٌ غائبٌ عن مراقبة البيت، تجد الزوجة أو الأم، أو البنتُ أو الأخت، عندها يقظة قلبٍ، تخافُ الله واليوم الآخر.

أما إذا ضعف هذا الإيمان فإنهم لا يلتزمون إن غابت سلطة الأب أو الزوج ونحوهما، وانفلت الزمام.

إنَّ من أعظمِ منهاجِ التربيةِ على العقيدةِ الإسلامية هي التربية القائمةِ على أركان الإيمان، ومنها: الإيمانُ بالله واليوم الآخر؛ لأنَّها توجِدُ الإنسان الصالح في أيِّ مكان.

إنَّ التربيةُ الغربية أو الشرقية عند الكفار، أو عند غير من لا يلتزمُ بالإسلام، تجدها تربيةً جيدة، لكنَّها تربيةً لمواطنٍ صالح في مكانٍ معين، يربيهِ على التقاليد الإنجليزيةِ أو الأمريكية أو غيرها، فيلتزمُ بها، لكن إذا خرج من هذا النطاق تحولَ إلى وحشٍ وإلى ذئبٍ مفترس.

أما التربيةَ الإسلامية تجعلُ الإنسانَ يُراقبُ الله في أيِّ مكان كان، في بلده أو في غير بلده، أمام الآخرين أو في ما بينه وبين نفسه، مع صديقه ومع عدوه، يراقبُ الله واليوم الآخر؛ لأنَّهُ يعلمُ أنَّ هُناك حسابًا وجزاءً لابد منه، وهو حسابٌ دقيقٌ.

الواجب علينا تجاه قضية الإيمان باليوم الآخر

إنَّ من الواجبِ علينا أن لا نأخذَ قضيةَ الإيمان باليومِ الآخر على أنَّها قضيةً بسيطةً صغيرة، فيقول الواحد منا في نفسه: أنا أؤمنُ باللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر. لا، بل لابد أن تتذكر الإيمان باليوم الآخرِ وأنت تقرأُ القرآن متدبرًا لآياته، تذكر الإيمانَ باليومِ الآخر وأنت تقرأُ سنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها من أحاديث تتعلقُ بالإيمانِ بالله واليومِ الآخر، تذكر اليومَ الآخر في كلِّ حالةٍ من حالاتِ تقلبِ الدنيا بأهلها، تذكر اليومَ الآخر والشيب يغزوك، فإنَّ الشيب نذيرٌ يقولُ لك: قد آن، آن الأوان، الكلُ راحل.

وإذا كنت تقولُ: أنا شاب. فإنَّ الزمان يمضي، وستنتقلُ إلى كهولةٍ ثم إلى شيبة، لكن النهايةَ لابُدَّ منها.

إنك لابدَّ أن تفارقَ هذهِ الحياة، تذكر اليوم الآخر في الليلِ وفي النهار، يُعطيكَ طمأنينةً نفسية، وراحةً وسعادةً تنفتحُ أمامك الآفاق، تُصبحُ طيبَ النفسِ والقلب، تصبحُ حسنَ التعامل.

إن الإيمان باليوم الآخر لهُ أثرُهُ العظيمُ في الدنيا وفي الآخرةِ؛ لأنك إذا آمنت باليوم الآخر عملت الخيرات، وصرت صاحبَ نفسٍ طيبةٍ تسعى إلى الخير، وتُحسنُ إلى الآخرين، وتفعلُ الخيرَ في أي مكان، وتقولُ الحقَّ، وتأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا واللهِ هو الفوزُ المبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت