فهرس الكتاب

الصفحة 8318 من 9994

كان الصحابة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر العظيم ، فقد قال جرير بن عبد الله:"بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"رواه البخاري ( 1401 ) ، ومسلم ( 56 ) .

[ خطر تركه ] :

معاشر المؤمنين: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وبه قام الدين وأذل الله المبطلين:

فإذا أهمل وعطل وطوي بساطه: اضمحلت الديانة ، وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد ، وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد .

ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: باب عظيم به قوام الأمر وملاكه ، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح ، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه ، { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } .

إن التفريط في هذا الجانب العظيم والزهد فيه: له آثار وعواقب لا تحمد: فمنها:

أولاً:

استحاق لعنة الله ، قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} .

ثانياً:

عدم إجابة الدعاء: لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم"رواه ابن ماجة وهو في صحيحهما ( 2/367) .

ثالثاً:

نقص الدين والتفريق ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلاقي الرجل فيقول: بهذا اتق الله ودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ ، ثم قال: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) إلى قوله: ( فاسقون ) ، رواه أحمد في مسنده 1/ 391 ، قال في تخريجه: إسناده صحيح ."

رابعاً:

حلول العقوبات وذهاب الخيرات ، فقد روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعون فلا يستجاب لكم"رواه الترمذي وهو في صحيحه ( 1762 ) .

بل ورد ما يدل على أن تركه هلاك للجماعة كلها ففي حديث أصحاب السفينة ، قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً"خرجه البخاري ( 2493 ) .

[ حكمه ] :

و أما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو كما قال النووي: فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين ، وإذا تركه الجميع أثم الكل ممن تمكن منه بلا عذر ولا خوف ، ثم إنه قد يتعين: كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو ، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو ، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف .

وقال العلماء: لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه ، بل يجب عليه الأمر والنهي لا القبول ، كما قال الله عز وجل: { ما على الرسول إلا البلاغ } .

وقال العلماء: لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاُ ما يأمر به مجتنباُ ما ينهى عليه ، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به ، وعليه أن ينهى عن المنكر وإن كان متلبساً به ، لأن الواجب أمران: أحدهما: أن يأمر نفسه وينهاها ، الثاني: أن يأمر غيره وينهاه ، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر .

ـ ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشيء: فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها: فكل المسلمين علماء بها ، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء .

[ الحذر من رد الآمرين ] :

أمة الإسلام أمة القرآن: الأمر بالمعروف والنهي عن المكر شعار الدولة الصالحة ، والأمة المؤمنة ، ولا خير فينا إذا لم نوقر القائمين به ، ولا خير فينا إذا لم نعنهم على هذا العمل العظيم الذي يقوم به ديننا وتحفظ به عقيدتنا ، وتصان به أعراضنا بتوفيق الله ، ولا خير فينا إذا أنكرنا فضلهم على الأمة وبذلهم وسعيهم في صلاح البلاد ، ولا خير فينا إن رضينا بقدح المغرضين ، ولمز المفسدين ، وتشويش الجاهلين ، فإن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . وقديماُ قيل:

فمن ذا الذي ترضى سجايا كفى المرء نبلاً أم تعد معايبه

إن القدح في رجال الحسبة تعد على ولي الأمر ؛ لأنهم ينوبون عنه في إنكار المنكرات ؛ ذلك أن أهم واجبات ولي الأمر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وخير لنا من ذلك أن نسأل أنفسنا: ما هي جهودنا نحن في إنكار المنكرات بين الأهل والأقارب ، وفي العمل والحي ؟ ،: أنها ضعيفة وقد تعدم أحياناً .

ـ فهل يعقل أن نجمع إلى التقصير في إنكار المنكرات أشغال القائمين بذلك والتشغيب عليهم ، قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } . فإذا أمرنا أو نهينا فلنكن كما قال تعالى: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله …}

[ شجاعة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ] :

وينبغي للمسلم أن يكون ذا غيرة على حرمات الله ، مقدماً مرضاته على هوى نفسه وراحتها ، فليس له أن يترك الإنكار لصداقة أو مودة أو طلب وجاهة أو مداهنة أو غيرها من حظوظ النفس: فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيباً ، فكان فيما قال:"ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه"رواه ابن ماجة ، وهو في الصحيحة ( 168 ) .

-وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة . ثم قال: وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم"رواه البخاري ( 7199 ) ومسلم ( 1709 ) .

[ إنكار البدع ] :

ومن أوجب الواجبات وأهم المهمات:

الإنكار على أهل البدع والشركيات لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"رواه مسلم ( 50 ) .

وهكذا كان صلى الله عليه وسلم: يعظم المنكر إن تعلق بالعقيدة ، فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: إن رسول الله لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم ، يعني التبرك بها وهو محرم ، فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله ، هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم"أخرجه الترمذي ( 2180 ) وقال حسن صحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت