والعاقل الفطن هو الذي يفهم ـ على عجالة ـ نفسيات شريكه، وما يحبه ويكرهه، وسلبياته وإيجابياته، فيعامله من خلال هذا المنطلق.
إن إنشاء أسرة متفاهمة ليس بالأمر السهل، ولذلك من أحسن إتقان هذا الصرح أعقبه ذلك سعادة لا تنقطع، وهناءً لا يُمل.
أما سمعت قول المؤمنين المخبتين، وهم يدعون ربهم سبحانه بأن يرزقهم من الزوجات ما تقرُّ به أعينهم، فقال سبحانه عنهم: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} ..
وأنت لو نظرت إلى أي فرد منتج في أي مجال، لعلمت أن وراءه بيتاً سعيداً وهدوءاً نفسياً، والعكسُ بالعكس..!، فمن الصعب أن ينتج المرء في عمله أو حياته، وأن ينتشر نفعه في الناس وهو يعاني من خلل في بيته، وصراعات نفسية، ومشاكل لا حدود لها، بل تجده أحوج ما يكون إلى الإنتاج والعمل، منشغلا في ذات نفسه، كلما بنى زاوية فإذا بها تنهار زاوية أخرى.
إن هذه المقدمة هي مدخل لهذه الكلمات التي نتحدث فيها حول: (الحياة الزوجية) ، هذا الموضوع الحساس، الذي كان من الضروري أن نتحدث عنه ونساهم في معالجته، لعل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا القبول ويرزقنا فيه الإخلاص، فتصلح فيه أحوال من يسمعه، ويعتدل به بعض الميل، ويكون وسيلة لإصلاح حال امرئ، ربما كاد أن يُسقط فيه صرحاً قائماً على المحبة والألفة، في وقت عجلة تتبعها ندامة وحسرة، فتأتيه مثل هذه الكلمات فتكون دافعاً له لاستدراك أمره.
والله المسؤول سبحانه أن يرزقنا صلاح النية والذرية، وأن يجعلنا هداة مهتدين وأن يؤلف بكلامنا على الخير والهدى.
الاختيار..
إن المرحلة الأولى في طريق الزواج هي مرحلة الاختيار، ولعل هذه المرحلة هي أشق المراحل، ولا يزال الرجلُ يقلب أوراقه يبحث عن شطره الآخر، والمرأةُ تنتظر أن يأتيها رجل يبدد وحدتها وخوفها إلى عالم مليءٍ بالطمأنينة والأنس، مع خوف من جانبها أن تصطدم بواقع مخيف ومستقبل مجهول.
وإن كان الأمر على مشقته سهلاً بالنسبة للرجل، فإنه صعب بالنسبة للمرأة ولذلك كان على أوليائها أن يعينوها على تحقيق مستقبل سعيد واختيار موفق.
ومن أجل ذلك نصَحَنا أنصحُ الخلق للخلق محمد صلى الله عليه وسلم بما ينير الطريق لكل راءٍ، ويبصر كل ذي بصر، وعلَّمنا القواعد التي إن عملنا بها، تحققت لنا السعادة العظيمةُ، والهناءُ الدائم الذي لا يخبو نوره، ولا تنسى لذته، وبين لنا كيف نختار وكيف نوفق في الاختيار، فقال صلى الله عليه وسلم:"تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
فهذا الحديث يحكي واقع الناس، واختلاف دوافعهم حين الاختيار، فكلٌّ يبحث في زواجه عن هدف، وبيّن لنا الهدف الأسمى الذي يستحق أن يُتعب عليه وهو: (الدين) ، لأنه رأس الأمر، وعنوان الصلاح، وقائد لكل خير.
وهكذا الحال بالنسبة للمرأة، فالواجب عليها اختيار الرجل الصالح الذي يصلح معه حالها، وفي ذلك جاء الخطاب للناس من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله:"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
فالواجب على المرء أن يختار لمولّيته رجلاً صالحاً، إنْ أحبها أكرمها، وإن كان غير ذلك سرحها سراحاً جميلاً دون إهانة أو ظلم.
فهذه أمانة عظيمة لا بد أن يعرفها كل ولي يخاف الله ويرجوه، وأن يعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"من كان له أختان أو ابنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ـ وأشار بين إصبعيه ـ".
وقيل للحسن البصري رحمه الله:"إن لي ابنة فمَن ترى أن أزوجها؟ قال: زوجها من يتقي الله تعالى، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها..".
وسئل رجل من الحكماء: فلان يخطب فلانة، فقال: أموسرٌ من عقل ودين؟ قالوا: نعم. قال: فزوجوه إياها.
وقد قيل:
وأول خبث الماء خبث ترابه وأول خبث القوم خبث المناكح
وعلى الرجل أن يفتش عن زوجة تحمل معاني الوفاء في قلبها في سفر ربما يطول، وليعلم أن الزوجة صديق العمر، ولا بد لهذا الصديق أن يكون وفياً إنْ كتب الله وأكمل الدرب، أو إن تفرقا أن يستر العيب.
فلا بد أن تحسن الاختيار لهذا الصديق الذي سيشاركك أدق تفاصيل حياتك، حلوها ومرها، طويلها وقصيرها، فرحها وحزنها.
وحين تفكر في الارتباط بامرأة ما، ضع أمام عينيك هذا السؤال: لو حصل وحدث لك عائق من العوائق في هذه الحياة المليئة بالمفاجآت، هل ستكون هي عوناً لك أم أنها ستتخلى عنك للوهلة الأولى؟..
وضع أمام ناظريك سؤالاً آخر: لو لم يحصل الوفاق بينكما وطلقتها فما نوعية المجتمع الذي سيعيش فيه أولادك؟..
ومما يعينك على الاختيار أن تنظر إلى سلوك والدة المرأة التي ترغب في الارتباط بها، فإنه ومن خلال التجارب الطويلة، تبين أن الغالب في البنت أنها تكتسب سلوك والدتها مهما كان مستوى البنت.. جامعية.. أو دكتورة.. أو غير متعلمة، وأمها على عكس ذلك!! لذلك اسأل جيداً عن والدتها.
وهذه ليست قاعدة لا تقبل الجدل، ولكن ربما كانت أغلبية..
ولذلك فإن إطلاق التعليقات الساخرة والاستهزاءات المنفرة من قبل أناس على والدات زوجاتهم، فبات الناس يتداولونها وتعيش في عقولهم هذه الفكرة، ما كان ذلك إلا لأنهم ابتُلوا (بحموات سيئات..) ، ومن الخطأ أن يعمم هذا الحكم، فإن من الحموات من كانت عوناً للرجل على ابنتها، تكتم السر، وتبني البيوت ولا تهدم، وتجعل القليل من زوج ابنتها كعظم الجبال، وهذا الصنف من أعظم النساء، فهي بذلك تبني بيت ابنتها، وتخفف الحمل عن زوجها، بل ويصل الزوج إلى درجة من الراحة بحيث إنه لو ترك زوجته عند والدتها سنة كاملة لم يبال بذلك، لأنه يعرف أنها سترجع بعد ذلك أفضل حالاً مما كانت عليه، عفةً وحياءً وديانةً وخبرةً في الحياة.
وإننا نقول هذا إنصافاً لبعض الحموات، ممن يتمتعن بصفات الخير، ويتجنبن الحسد والغيرة من بناتهن، وكأنهن عدوات ولسن ببنات.
ولذا انتبه جيداً إلى والدة زوجتك، فإنها المؤثر الفعلي في الغالب على سلوك زوجتك التي ستضمها بين جدار بيتك، وقد قيل:
إذا تزوجت فكن حاذقاً واسأل عن الغصن وعن منبته
واسمع هذه الحكاية الجميلة شاهد ما نقول:
قال شريح القاضي: خطبتُ امرأة من بني تميم، فلما كان يوم بنائي بها أقبلت نساؤها يهدينها حتى دخلت علي، فقلت: إن من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين، ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها، فتوضأْتُ فإذا هي تتوضأ بوضوئي، وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي، فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية، ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله وصحبه، أما بعد.. فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه، فإنه قد كان لك مَنكح في قومك ولي في قومي مثل ذلك، ولكنْ إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله تعالى به {إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} .