فهرس الكتاب

الصفحة 8418 من 9994

إن ثمة تساؤلات عريضة تبعثها النفس في غمار هذا الوداع.

أول هذه التساؤلات كم تبلغ مساحة هذا الدين من اهتماماتنا؟ هل نعيش له؟ أم نعيش لأنفسنا وذواتنا ؟ كم نجهد من أجله؟ كم يبلغ من مساحة همومنا؟ إن العيش في حد ذاته يشترك فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات، ولا ينشأ الفرق إلا عندما تسمو الهمم، وتكبر الأهداف.

وعلى أعتاب العشر الثانية آمل ألا يكون نصيبي ونصيبك قول الله عز وجل: (( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوالِفِ ) ) (التوبة:87) .

فالسابقون مضوا، والسير حفظت لنا قول بكر بن عبد الله المزني:"من سره ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا أعلم منه، ومن سره أن ينظر إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين إنه ليدع بعض الحلال تأثماً، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركنا أعبد منه، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمع فلينظر إلى قتادة."

وليت شعري أن نكون وإياك أحد هؤلاء.

سؤال آخر يتردد: حرارة الفرحة التي عشناها في مقدم رمضان تسائلنا: هل لا زالت قلوبنا تجل الشهر؟ وتدرك ربيع أيامه، أم أن عواطفنا عادت كأول وهلة باردة في زمن الخيرات، ضعيفة في أوقات الطاعات؟

ورحم الله سلفنا الصالح فلكأنما تقص سيرهم علينا عالماً من الخيال حينما تقول: قال الأوزاعي: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر إلى أفقية الناس.

وكانت امرأة مسروق تقول: والله ماكان مسروق يصبح ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، وكنت أجلس خلفه فأبكي رحمة له إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف كما يزحف البعير من الضعف.

قال أبو مسلم: لو رأيت الجنة عياناً أو النار عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو قيل لي إن جهنم تسعّر ما استطعت أن أزيد في عملي. وكان يقول: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلّفوا بعدهم رجالاً.

وفي ظل هذه الأخبار تُرى كم من صلاة في الجماعة ضاعت؟ وكم نافلة في صراع الأعمال تاهت؟ تُرى كم من لحوم إخواننا هتكناها بأنيابنا؟ تُرى كم هي الخيانة التي عاثتها أعيننا في رحاب المحرمات.

كم خطت أقدامنا من خطو آثم؟ كم، وكم، من عالم الحرمات هتّكت فيه الأسوار بيننا وبين الخالق؟ والمعصية أياً كانت، حتى لو عاقرناها في ليالي رمضان فلا تبقى خندقاً تحاصركم، وهي كما قال بعض العلماء: أي خلال المعصية لا تزهدك فيها: الوقت الذي تقطعه من نفيس عمرك حين تواقعها، وليس يضيع سدى، بل يصبح شؤماً عليك؟ أم الأخدود الذي تحفره في قلبك وعقلك ثم تحشوه برذائل الاعتياد والإلف السيء والإدمان الخبيث، والذكريات الغابرة التي يحليها لك الشيطان ليدعوك إلى مثلها، ويشوقك إليها؟ أم استثقال الطاعة والعبادة والملل منها وفقد لذتها وغبطتها، أم إعراض الله عنك وتخليته بينك وبين نفسك حتى وقعت فيما وقعت، أم الوسم الذي تميزك به حين جعلتك في عداد الأشرار والفجار والعصاة، أم الخوف من تحول قلبك عن الإسلام حين تجد حشرجة الموت وكرباته وغصصه، فيا ويلك إن مت على غير ملة الإسلام!.

سؤال ثالث: يتردد معاشر الدعاة والمصلحين والمربين، عُدّوا لي بارك الله فيكم في شهر رمضان فقط: ماذا قدمتم لمجتمعاتكم من خير؟ دينكم الذي تتعبدون به هل نجحتم في طريقة عرضه ؟ فالبائع ينجح بقدر ما يحسن في طريقة العرض، وأنتم أولى هؤلاء بحسن الطريقة، ونوعية التقديم . مجتمعاتكم بكل من فيها ماذا قدمتم لها ؟ مسجد الحي، وجيران البيت، وأقارب الأسرة، وميدان المدرسة أولى الناس بمعروفك فأين هم من مساحة اهتماماتك ؟ أسئلة تتردد على الشفاه ، أوليس رمضان فرصة سانحة للإجابة عنها؟ أملي أن يكون ذلك. وكل ما أرجوه أن لا تخرج نفسك أخي الفاضل من قطار الدعاة والمصلحين والمربين أياً كنت، وفي ظل أي ظروف تعيش، فالمسؤولية فردية.

وعندما نحسن فن التهرب من المسؤولية نكون أحوج ما نكون إلى من يأخذ بأيدينا، ويحاول إخراجنا من التيه الكبير.

يقول أبا إسحاق الفزاري: ما رأيت مثل الأوزاعي والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، وأما الثوري فكان رجل خاصة، ولو خيّرت لهذه الأمة لا خترت لها الأوزاعي.

سؤال رابع يتردد: هل مازلنا نمارس نوعاً من الجهالة في معاملة ربنا؟ إن خلوات الليل أياً كانت في نظرك إنا هي في منظورها الصحيح هتك للستر الذي بينك وبين الله تعالى، ونسيان لمعاني الربوبية التي اتصف بها ربك، ومكابرة من مخلوق ضعيف لا يملك شيئاً أمام جبروت الرب، وسلطان الخالق، وقهر الواحد الأحد.

هذه هي النظرة الصحيحة لها، ومن يسلي نفسه بغير هذا فليصحح النظرة، وليفكّر في عظمة من عصى، أشار إلى ذلك ابن القيّم في كتابه الداء والدواء فقال:"فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به؛ فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدّس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته."

وقال في موضع آخر: وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيّعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهمّ عنده من طاعته؛ فلله الفضلة في قلبه وعمله، وسواه المقدّم في ذلك؛ لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظّم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، يستحي من الناس ولا يستحي من الله تعالى، ويخشى الناس ولا يخشى الله تعالى، يُعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره"فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟! وإلا ستكون النتائج وخيمة وسيئة، وفرص التوبة لا تتكرر، وقد يحول الله تعالى بينك وبين التوبة جزاء التسويف والتأخير، وما يدريك فمن جعلته أصغر الناظرين إليك قد يرصد لك في وقت غفلة، ويرديك في وقت جذوة، والمعصية لا تأتي إلا إذا اجتمع جهل وكبر وعناد، وهذه لو تأمل العاصي واحدة منها لوجد أنها أهلكت أمما غابرة، وجنوداً غفيرة، فالله الله في زمن المهلة، فلا شهر أعظم من هذا! ولا وقت أنفس من هذا الوقت! والهالك لن يهلك إلا عن بينه، وحينئذ لا تأسف عليه."

سؤال خامس يتردد: القلوب المتنافرة أما آن لها أن تتصافح؟ هل لازالت معاندة للفطرة السوية، هل لازال الكبر يوقد ضرامها؟ ويشعل فتيلها؟ أما نجح رمضان في أن يعيد البسمة لشفاه طال انغلاقها؟ إن هذه القلوب يُخشى عليها إن لم تفلح المواعظ في ليها للحق، فإن لفح جهنم هو القادر على أن يكسر مكابرتها، ويلوي عناقها، ويرغم أنف باطلها.

لهؤلاء أن يسمعوا هذه النصوص وأن يضعوا أنفسهم في الترتيب اللائق بها عند ذلك: فهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم سئل من أفضل الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ) )أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.

لقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً قبل موته فقال: (( ألا فمن كنت جلدت له ظهراً فليستقد، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت