أيها المسلمون: لنا وقفة تأمل في كتاب الله ،مع سورة مكية من سوره، إنها سورة توضح حالة أهل الإيمان حينما يتعرضون للابتلاء، في هذه الحياة الدنيا فيتحلون بالصبر والثبات على الإيمان ،فيكون جزاؤهم الجنة . كما تقرر السورة عقيدة البعث والجزاء، وتقرن هذا بالترغيب والترهيب .
تبدأ هذه السورة (( سورة البروج ) )بالقسم بالسماء ذات المنازل والنجوم العظام، قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ) ) (البروج:2.1) وهو يوم القيامة .
(( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) )الشاهد يوم الجمعة، يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود يوم عرفة، لشهود الناس فيه موسم الحج ولحضور الملائكة، في قول الأكثر [1] .
وهذه الآيات السابقات فيها إقسام الله بالسماء وبروجها, وبيوم القيامة، وبيوم الجمعة، ويوم عرفة، والله تعالى له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق فيحرم عليه أن يحلف بغير الله ،قال صلى الله عليه وسلم: (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ).
وبعد افتتاح سورة البروج بهذه الآيات الثلاث، تأتي الإشارة إلى قصة عظيمة، وحادثة أليمة، حوت من الدروس والعبر شئ عظيم، إنها قصة أصحاب الأخدود، والأخدود: هو الحفرة في الأرض .
فتبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة والهلاك على الكفار، أصحاب الأخدود الذين عذبوا أهل الإيمان (( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) )وهذا دعاء عليهم باللعنة والهلاك، وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قوما كافرين، ولديهم قوم مؤمنين، فراودوهم على الدخول في الكفر، فامتنع المؤمنون من ذلك،فحفر الكفار أخدودا في الأرض، وأوقدوا النيران فيه، وقعدوا حولها وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها فمن استجاب لهم أطلقوه ، ومن استمر على الإيمان قذفوه في نارهم، وهذا غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله ، وأهلكهم وتوعدهم فقال: (( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُود ) ) (البروج:4) .
وفي السنة النبوية الصحيحة تفصيل أكثر لهذه الحادثة من بدايتها إلى نهايتها فعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كان ملك فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه الغلام و سمع كلامه فأعجبه، و كان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا لأتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر .
فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة، قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ؟ فاخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، و مضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، و إنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ،وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، و يداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال:ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما الشافي هو الله تعالى ، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك ؟ قال: ربي، قال: أولك رب غيري ؟! قال: ربي وربك الله ، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله تعالى .
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه،ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى و قع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى تفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا و كذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه و إلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك: ما فُعل بأصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور [2] و توسطوا به البحر،فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، و جاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فُعل بأصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: ما هو؟، قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع،ثم أحذ سهماً من كنانته، ثم وضع القوس في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد و الله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، وأضرم فيها النار و قال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك عل الحق )) رواه مسلم
الله أكبر! سبحان من أنطق هذا الصبي، بهذه الكلمات العظيمة"يا أماه اصبري فإنك على الحق"فإذا كانت على الحق .. فإن الحق أحق أن يتبع ولو كان في هذا تلف النفوس ... إنهم على الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وليكن للطغيان والضلال سلطانه .. وليكن له هيله وهيلمانه ولتكن مع الباطل جموعه وجماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق شيئاً .. فلا إله إلا الله ما أعظم ما يفعله الإيمان بالنفوس المطمئنة به، إنهم على الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق، ولن يعدل بالحق واتباعه شيئا مهما كانت الملابسات والأحوال: (( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) ) (آل عمران:8) .
(( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُود ) ) (البروج:4) .
استحقوا هذه اللعنة، وهذا الدعاء بالهلاك، في الحالة التي كانوا عليها، وهم يرتكبون ذلك الإثم، ويزاولون تلك الجريمة (( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُود*وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) ) (البروج:76,6) .
وهذا من أعظم ما يكون من الجبروت وقساوة القلب، فهم قعود على هذه النار، ينظرون ما يفعل بالمؤمنين من إحراق، والنار تفعل بأجسامهم فعلها، وهؤلاء يشاهدون أطوار التعذيب بلا رحمة ولا شفقة للصغار والكبار، وما كان لأهل الإيمان من ذنب إلا أنهم قالوا ربنا الله (( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ) (البروج:8) .