فهرس الكتاب

الصفحة 8456 من 9994

فاتق الله يا صاحب العمل وأحسن إلى عمالك كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض. واعلم أن من بُغي عليه لينصرنه الله ولو بعد حين.

أيها المسلم: ومن الظلم أكل الربا قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: (( وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (279: البقرة) لا تَظلمون أي بأخذ الزيادة ولا تُظلمون أي بوضع رؤوس الأموال، فلكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.

وقال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: (( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) ) (279: البقرة) .

قال فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه كان حقاً على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة رحمه الله: إياكم ومُخالطة هذه البيوع من الربا فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه. ص250 ج1 من مختصر بن كثير .

ومن الظلم السخرية من الناس واللمز والتنابز بالألقاب قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (11:الحجرات) .

ومن الظلم الخوضُ في آيات الله بالاستهزاء قال تعالى: (( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ) (68: الانعام) .

ومن الظلم السعي في خراب المساجد والمنع من ذكر اسم الله فيها قال تعالى: (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ) (البقرة:114) .

أيها المسلمون: إن الله تعالى يُملي للظالمين ويُمهلهم إلى أجل مسمى قال تعالى: (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) ) (إبراهيم:42) . قال ميمون بن مهران رحمه الله: هذه الآية وعيدٌ للظالم وتعزيةٌ للمظلوم. فالظالم ينتظر العقوبة والمظلوم ينتظر الفرج. وقد يقول قائل إن كثيراً من الظلمة يستمرون على ظلمهم وعدوانهم ويطول بهم الأمد ولم يلاقوا جزاء أعمالهم مما يدعوهم إلى التمادي في غيهم والاسترسال في بغيهم. والجواب عن هذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذهُ لم يفلته ثم قرأ قوله تعال: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (هود:102) رواه البخاري. فهذه هي سنةُ الله تعالى فلا يغتر بالإمهال فإنه ليس بإهمال.

ولقد توعد الله تعالى الظالمين بالهلاك قال تعالى: (( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ) ) (13:يونس) .

قال تعالى: (( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ) ) (51: الكهف) .

أيها المسلمون: ليتمنون غداً أن يفدوا أنفسهم بكل ما يستطيعون ليسلموا من أهوال يوم القيامة ولكن هيهات قال تعالى: (( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ ) ) (54:يونس) وقال عز وجل: (( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ) (47:الزمر) .

فانظر كيف كان عاقبة الظالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وحال الظالمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أقول قولي هذا.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير المقسطين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ على يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وكونوا من أنصار المظلومين وخذوا حذركم من دعواتهم الملتهبة وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

معشر المسلمين: لقد شرع الله تعالى للمظلوم أن ينتصر لنفسه كما قال سبحانه: (( وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) ) (227:الشعراء) .

وقال تعالى: (( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) ) (الشورى:40-41-42) .

ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المظلوم فقال: (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره قال: تحجزهُ أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ) )رواه البخاري.

قال ابن حجر: وشرط الناصر أن يكون عالماً بكون الفعل ظلما.

أيها المسلمون: اعلموا أن الله تعالى يستجيب دعاء المظلوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) )رواه البخاري ومسلم.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.

إن العاقل أيها المسلمون هو الذي يتجنب دعوة المظلوم.

فمع هدأةِ الليل وسكونِ الظلام يتجافى جُنب المظلوم عن مضجعه متقلباً على فراشه يئن ممن ظلمه وسلب حقه واعتدى عليه رافعاً أكف الضراعة بقلبٍ منكسر ودموعٍ متقاطرة، قد اقشعر جلده. والرب جل جلاله قد تجلى لمن يدعوه قائلا (( ممن يدعوني فاستجيب له ) )هنا تسري دعوة المظلوم في الليل والناس نيام وتُفتح لها أبواب السماء ويقول الله عز وجل (( لأنصرك ولو بعد حين ) ).

لما حُبس خالد البرمكي هو وولده قال يا أبتِ بعد العز صرت في القيد والحبس فقال بابني لعل الذي حبسنا دعوة مظلوم ظلمناه سَرت بليلٍ ونحن عنها في غفلة ولكن الله تعالى لم يغفل عنها.

وقال يزيد بن حكيم رحمه الله: ما هبت شيئاً قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله فيقول حسبي الله بيني وبينك.

ورحم الله من قال:

لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباهُ إلى الندم

تنامُ عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعينُ الله لم تنم

ومرَّ أسد بن عبد الله القسري _ وكان على خراسان أميراً كريماً _على السجن فإذا رجل يقول له إن كنت تعطي لترحم فارحم من تظلم، إن السموات تنفرج لدعوة المظلوم فاحذر من ليس له ناصر إلا الله ولا جنة له إلا الثقة بنزول التغيير ولا سلاح له إلا الابتهال إلى من لا يعجزه شيء.

يا أسد إن البغي يصرع أهله والبغي مصرعه وخيم فلا تغتر بإبطاء الغياث من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث وقد أملى القوم كي يزدادوا إثما. ص79 ذم البغي لأبن أبي الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت