وقد وعد الله من خافَ منه فحجزه خوفُه عن الشهوات وساقه إلى الطاعاتِ وعدَه أفضلَ أنواع الثواب، فقال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَى أَفْنَانٍ [الرحمن:46-48] ، والأفنان هي الأغصان الحسنة النضِرة، قال عطاء:"كلّ غصنٍ يجمع فنونًا من الفاكهة" (7) [7] ، وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40، 41] ، وقال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:25-28] ، فأخبر أنّ من خافه نجّاه من المكروهات وكفاه ومنَّ عليه بحسن العاقبة.
وروى ابن أبي حاتم بسنَده عن عبد العزيز يعني ابن أبي روّاد قال: بلغني أنّ رسول الله تلا هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] وعنده بعضُ أصحابه وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسولَ الله، حجارةُ جهنم كحجارة الدنيا؟! فقال النبيّ: (( والذي نفسي بيده لصخرةٌ من صخر جهنّم أعظم من جبال الدنيا كلها ) )، قال: فوقع الشيخ مغشيًّا عليه، فوضع النبيّ يده على فؤادِه فإذا هو حيّ، فناداه قال: (( يا شيخ، قل: لا إله إلا الله ) )، فقالها، فبشّره النبيّ بالجنّة، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، أمِن بيننا؟ قال: (( نعم، يقول الله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] ) ) (8) [8] .
ولقد كان السلفُ الصالح يغلب عليهم الخوفُ من الله، ويحسِنون العمل، ويرجونَ رحمة الله عز وجل، ولذلك صلحت حالهم، وطابَ مآلهم، وزكَت أعمالهم، فقد كانَ عمر رضي الله عنه يعسّ ليلاً، فسمِع رجلاً يقرأ سورة الطور، فنزل عن حماره واستنَد إلى حائطٍ ومرِض شهرًا يعودونه لا يدرون ما مرضُه (9) [9] .
وقال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه وقد سلّم من صلاة الفجر، وقد علاه كآبه وهو يقلّب يده: لقد رأيتُ أصحابَ محمد فلم أر اليومَ شيئًا يشبِههم، لقد كانوا يصبِحون شعثًا صُفرًا غُبرًا بين أعينهم أمثالُ رُكَب المعزى، قد باتوا لله سجّدًا وقيامًا، يتلون كتابَ الله، يراوحون بين جِباههم وأقدامهم، فإذا أصبَحوا ذكروا الله، فمَادوا كما يميد الشجرُ في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدّموع حتى تبلّ ثيابهم (10) [10] ، ومرض سفيان الثوري من الخوف (11) [11] ، والأخبار في هذا تطول عنهم رضي الله عنهم.
والخوفُ المحمود هو الذي يُحثّ على العمل الصالح ويمنَع من المحرَّمات، فإذا زاد الخوفُ عن القدر المحمود صار يأسًا وقنوطًا من رحمةِ الله، وذلك من كبائر الذنوب.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:"والقدرُ الواجب من الخوفِ ما حمل على أداءِ الفرائض واجتناب المحارِم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسُّط في فضول المباحات كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورثَ مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطَع عن السعي لم يكن محمودًا" (12) [12] .
وقال أبو حفص:"الخوفُ سوط الله، يقوِّم به الشّاردين عن بابه" (13) [13] ، وقال:"الخوف سراج في القلب" (14) [14] ، وقال أبو سليمان:"ما فارَق الخوفُ قلبًا إلا خَرِب" (15) [15] .
فالمسلم بين مخافتين: أمر مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأمر يأتي لا يدري ما الله قاضٍ فيه.
وأما الرجاءُ فهو الطّمَع في ثواب الله على العمل الصالح، فشرطُ الرجاء تقديمُ العمل الحسن، والكفُّ عن المحرّمات أو التوبة منها، وأما تركُ الواجبات واتباع الشهوات والتمني على الله ورجاؤه فذلك يكون أمنًا من مكر الله لا رجاءً، وقد قال تعالى: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] .
وقد بيّن الله تعالى أنّ الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم العمل الصالح، ولا يكون بدونه، قال عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29] ، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218] .
والرجاءُ عبادة لا تصرَف إلا لله تعالى، فمن علَّق رجاءه بغير الله فقد أشرك، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] .
والرجاء وسيلة إلى الله تعالى، فقد جاء في الحديث عن النبيّ عن الله تعالى: (( أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ) ) (16) [16] .
والواجبُ الجمع بين الخوفِ والرجاء، وأكملُ أحوال العبد محبّة الله تعالى مع اعتدالِ الخوف والرجاء، وهذه حالُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين، قال عزّ وجل: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ الأنبياء:90]، وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] .
فإذا علم المسلم شمولَ رحمة الله وعظيمَ كرمه وتجاوزه عن الذنوب العظام وسعةَ جنّته وجزيلَ ثوابه انبسطت نفسُه واسترسلت في الرجاء والطمَع فيما عند الله من الخير العظيم، وإذا علِم عظيمَ عقاب الله وشدّةَ بطشه وأخذه وعسيرَ حسابه وأهوالَ القيامة وفظاعةَ النار وأنواع العذاب في النار كفَّت نفسه وانقمَعت وحذرت وخافت، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: (( لو يعلمُ المؤمن ما عند الله من العقوبةِ ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافرُ ما عند الله من الرحمةِ ما قنط من جنّته أحد ) )رواه مسلم (17) [17] .
وقد جمع الله بين المغفرةِ والعذاب كثيرًا فقال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد:6] ، ونقل الغزاليّ رحمه الله عن مكحول الدمشقيّ قال:"من عبد الله بالخوفِ وحدَه فهو حروريّ، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئيّ، ومن عبده بالمحبّة فهو زِنديق، ومن عبَده بالخوف والرجاء والمحبّة فهو موحِّد سنيّ" (18) [18] .
وفي مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله:"القلبُ في سَيره إلى الله عزّ وجلّ بمنزلة الطائر، فالمحبّة رأسُه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلِم الرأس والجناحان فالطائر جيِّد الطيران، ومتى قطِع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عرضَة لكلّ صائد كاسر. ولكنّ السلفَ استحبّوا أن يُقوَّى في الصحّة جناحُ الخوف على جناحِ الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يُقوَّى جناح الرجاء على جناح الخوف، فالمحَبة هي المركب، والرجاء حادٍ والخوف سائق، والله الموصِل بمنِّه وكرمه" (19) [19] .
قال الله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49، 50]