فهرس الكتاب

الصفحة 8537 من 9994

أين عهدُ الفاتحين؟ أينَ أنتم يا مسلمون؟ يعيشُ أسرانا تحتَ حرارةِ شمسِ كُوبا الشديدةِ، وهذا في الشتاءِ فكيف يكونُ الحالُ في الصيفِ، حتى الليلِ الذي جعلَهُ اللهُ سكنا، هُم جعلوهُ ضياءً بتلكَ الأنوارِ الكاشفةِ، ففي النهارِ الشمسُ الحارقة، وفي الليلِ تلكَ الأضواءُ الكاشفة، فمتى يذوقُ لذةَ النوم، وأنَّى لهُ أن يتلذذَ بطعامٍ وشرابٍ وهو يُعاني ألمَيْن، ألمَ الأسرِ الذي يعيشُهُ تحتَ أيدي النصارى الحاقدين، وألمَ خذلِ المسلمينَ لهم، وعدمِ الوقوفِ في شدتهمِ، ونسيانِ قضيتهمِ، وكأنَّ شيئاً لم يكن.

كيف يطيبُ للمسلمينَ عيشٌ، ويهنأُ لهم طعامٌ، وإخوانُهم أُسارى بيدِ العدو، بيدِ عدوٍ حاقدٍ ظالم، كيفَ يتلذذُ الإنسانُ بنوم، وإخوانُنا هُناك يعيشونَ تحتَ وطأةِ النصارى الحاقدين!! كيف يرقئُ للإنسانِ دمعٌ وهو يرى إخوانَهُ هُناكَ في حالةِ بُئسٍ وعناء؟!!

كيف يرضى المسلمونُ أن يُسلمُوا أبنائَهم إلى العدوِ الكافر، ويُرحَّلوا إلى أقاصي الأرضِ ولا يُحركون ساكنا، ولا يُسمعُ لهم صوتٌ .

أينَ موقفُ الدولِ؟

أينَ موقفُ القبائل؟

بل أين موقفُ أهاليهِم وأقربائهِم؟

إنَّهُ ينبغي عليهم التحرك، ويُفهموا العدوَ الأمريكيَ أنَّ هؤلاءِ الأسرى ليسُوا مقطوعينَ من الأرضِ، وأنَّ هُناكَ من يُتابعُ قضيتَهم، يجبُ أن يُفهموا أمريكا أنَّ أمرَ الأسرى لم ينتهِ بعد.

إنَّ السكوتَ عن هذا الأمرِ لا يُعذرُ به أحدٌ، خاصةً وقد شاهدنا المعاملةَ السيئةَ التي تَعَّرضَ لها هؤلاءِ المُجاهِدون الذين رفعوا رأسَ الأمةِ عالياً، والتي تنُمِ عن حقدِ دفينٍ للإسلامِ وأهله.

أأسرانا سلاماً كيف أنتم

فقد عصفتْ رعودٌ في قلوبِ

أأسرانا كِراماً كيف كُنتم

فليس الهونُ في قيدٍ وطوبِ

وشرُّ الذلِ خلفاً قد تركتُم

نَصرتمْ دينَ علامِ الغيوبِ

وإنَّ العزَّ حقاً قد أصبتم

وعِزُّ العزِّ في جوفِ القلوبِ

أأسرانا نسينا بل خذلنا

ولم يفزع لكم أسدٌ غضوبِ

فعالمنُا يُطيلُ اليومَ صمتاً

كأنَّ القومَ عُبّادُ الصليبِ

على حقٍ مضوا فيهِ يقيناً

فآهٍ مِن جفاءٍ مِن قريبِ

أمةَ الإسلام:

لقد ضربَ المسلمونَ أروعَ الأمثلةِ في استنقاذِ الأسرى من أيدي العدو، فعندما رجعَ المنصورُ بن أبي عامرٍ من إحدى غزواتهِ في شمالِ الأندلسِ، قابلَتُه امرأةٌ مسلمةٌ على أبوابِ قرطبةَ وقالت له: إنَّ ابني أسيرٌ عند النصارى ويجبُ عليك أن تفديَه أو تأتيَ به، فما دخلَ المنصورُ قرطبةَ، بل عادَ بجيشهِ حتى فكَ هذا الأسير، ولمَّا سمعَ الحكمُ بنُ هشام أميرُ الأندلسِ أنَّ امرأةً مسلمةً أُخذتْ سبيَّةً فنادت: واغوثاه يا حكم، فعظُمَ الأمرُ عليه، وجمعَ عسكَرَهُ واستعدَ وحشدَ وسارَ إلى بلدِ الفرنجِ سنةَ ستٍ وتسعين ومائة، وأثخنَ في بلادِهم، وافتتَح عدَّةَ حصونٍ، وخربَ البلادَ ونهبَها، وقتلَ الرجالَ وسبى الحريمَ، ونهبَ الأموالَ وقصدَ الناحيةَ التي كانت بها تلك المرأة، حتى خلَّصَها من الأسرِ ثم عادَ إلى قرطبة مظفرا [1] .

وبلغَ المعتصمُ أنَّ امرأةً شريفةً في الأسرِ عند علجٍ من عُلوجِ الرومِ في عموريةَ، وأنَّهُ لطمَها على وجهها يوماً فصاحتْ وامعتصماه، فقال مجيباً لها: لبيكِ، لبيكِ فخرجَ في سبعينَ ألفِ مقاتلٍ حتى وصلَ إلى عموريةَ وفتحَها، وطلبَ العلجُ صاحبَ الأسيرةِ الشريفةِ وضربَ عنقَهُ، وفكَّ قيودَ الشريفةِ [2] .

هكذا كانَ قادةُ المسلمين، ما أن يَسمَعُوا صرخةَ مستغيثٍ إلاَّ ويُبادِروا الإجابةَ، وينصروا المظلومَ، لقد كتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى بعضِ عُمَالهِ أن فادِ بأسرى المسلمين وإن أحاطَ ذلكَ بجميعِ ما عندَهم من المال [3] ، وذكرَ أبُو غالبٍ- همامُ بنُ المهذبِ المعري- في تاريخهِ أنَّهُ لما عقدَ سيفُ الدولةِ الفداءَ مع الرومِ، اشترى أسرى المسلمينَ بجميعِ ما كانَ معَهُ من المال [4] ، وقد بلغَ ما أنفقَهُ أبُو العباسِ الخزاعي أميرُ الشامِ في فكاكِ أسرى المسلمين من التركِ ألفيْ ألفِ درهمٍ [5] .

وإن لم ينفع المالُ فإنَّهُ لا محالةَ من استخدامِ أسلوبِ التهديدِ والوعيدِ، لمَّا صَالحَ قُتيبةُ- رحمه الله- ملِكَ شُومان، كتبَ إلى نيزك طرخان، صاحبَ باذغيس في إطلاقِ من عنَدهُ من أُسرى المسلمين، وكتبَ إليهِ يتهددُهُ ويتوعدُه، فخافَهُ نيزك فأطلقَ الأسرى وبعثَ بهم إليه [6] .

وكانَ للعلماءِ دورٌ كبيرٌ في الحثِ على استنقاذِ أسرى المسلمين، من خلالِ مكاتبةِ السلاطين، أو زيارةِ العدوِّ ومطالبتهِ بفكاكِ أسرى المسلمين، أو الدعاءِ بأن يُخلِصَهم اللهُ تعالى، فقد خرجَ شيخُ الإسلامِ اِبنُ تيميةَ إلى بولاي ـ أحدُ قادةِ التتارـ فاجتمعَ به، وطلبَ منهُ فكاكَ من كانَ معَه من أسارى المسلمين، فاستنقذَ كثيراً منهم، ثُمَّ عادَ رحمهُ الله تعالى [7] .

و كتبَ- رحمهُ الله- إلى ملكِ قبرص رسالةً جاءَ فيها: (فيا أيُّها الملكُ كيفَ تستحلُ سفكَ الدماءِ وسبىَ الحريمِ، وأخذَ الأموالِ بغيرِ حُجةٍِ من اللهِ ورسله، ثُمَّ أما يعلمُ الملكُ أن بديارِنا من النصارى أهلَ الذمةِ والأمانِ مالا يُحصى عددُهم إلاَّ الله، ومعاملُتُنا فيهم معروفةٌ، فكيف يُعاملُونَ أسرى المسلمين بهذهِ المعاملاتِ التي لا يرضى بها ذُو مروءةٍ ولا ذو دين) ؟!!

ثُمَّ إنَّ كثيراً منهم إنما أُخذوا غدراً، والغدرُ حرامٌ في جميعِ المللِ والشرائعِ والسياسات، فكيف تستحلونَ أن تستولوا على من أُخذَ غدراً ؟ أفتأ منونَ مع هذا أن يُقابِلَكم المُسلمونَ ببعضِ هذا، وتكونُونَ مغدُورين؟ واللهُ ناصرُهم ومعينُهم؛ لاسيما في هذه الأوقاتِ والأمةُ قد امتدت للجهادِ واستعدتْ للجلادِ، ورغبَ الصالحُونَ وأولياءُ الرحمنِ في طاعتهِ، وقد تولى الثغورَ الساحلية أمراءُ ذوو بأسٍ شديدٍ، وقد ظهرَ بعضُ أثِرهِم وهُم في ازدياد، ثُمَّ عندَ المسلمينَ من الرجالِ الفداويةِ، الذين يغتالون الملوكَ في فُرشِها وعلى أفراسِها، من قد بلغَ الملكُ خبرَهم قديماً وحديثا، وفيهم الصالُحُونَ الذين لا يَردُّ اللهُ دعواتِهم، ولا يُخيبُ طلباتِهم، الذين يغضبُ الربُ لغضبهِم ويرضى لرضَاهُم.

فكيفَ يحسنُ أيُّها الملكُ بقومٍ يُجاوِرون المسلمينَ من أكثرِ الجهاتِ أن يُعاملوهُم هذه المعاملةَ، التي لا يرضَاها عاقلٌ ولا مسلمٌ ولا مُعاهد؟! ) [8]

وذكرَ أبو سعيدِ الثعلبي: أنَّهُ لمَّا خرجَ إبراهيمُ ومحمدُ على أبي جعفرٍ المنصور ـ الخليفةِ العباسيِ المعروف ـ أرادَ أهلُ الثغورِ أن يُعينوهُ عليهما فأبوا ذلك، فوقعَ في يدِ ملكِ الرومِ الألوفَ من المسلمين أسرى، وكان ملكُ الرومِ يحبُّ أن يُفادى بهم ويأبى أبو جعفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت