فهرس الكتاب

الصفحة 8556 من 9994

وحريٌّ بالأمة وقد بدأتْ تستعيدُ شيئاً من عافيتها , وتصحو من غفلتِها الطويلة, حريٌ بها أن تتعرف على هوية أولئك الذين تسلطوا على أبناء الأمة , يعبثونَ بعقائِدهم , ويدنسون أخلاقهم , ويُهمشِّون دورَهم في الحياة , حتى صَدَقَ فيهم قولُ نبيهم عليه الصلاة والسلام: (( أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ) [1] .

وفي ظنِّنا أنَّ كشفَ القناع عن تلك الوجوه القبيحة , وتعريةَ تلك البؤر الفاسدة, هي إحدى خطوات تصحيح المسار, والأخذ بيد الأمةِ إلى جادة الصواب , لقد تقاسم أولئك المفسدون , الذين نحن بصدد الحديث عنهم , تقاسموا الأدوارَ فيما بينهم, حتى لكأنّهم فريقُ عملٍ موحد , لكلِ واحدٍ منهم دورهُ المرسوم , ووظيفتُه المحددة, وصلاحياتُه الواسعة في التضليلِ والإغواء, ويشرفُ على الجميع, كبيرُ الشياطين إبليس - عليه لعنة الله -فبعضُهم قد تخصصَ في تمييع العقائد, وآخرون تخصصوا في إفساد الأخلاق , وأبدع غيرهم في تدمير الشباب خاصَّة, وتولتْ شراذمُ أُخر, مسؤولية إفسادِ المرأة وتغريبِها, وهذا أوان الشروع في المقصود, نصحاً للأمة , ومعذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون .

ألا إن من أبرز الذين ساهموا في صنع مأساتنا, وتجسيد معاناتنا, وسوقِ أمتنا إلى ما تكابُده اليوم من التخبطاتِ العقدية, والسخافاتِ الوثنية , هم أولئك الفجرة من علماء الضلالة , وأحبارِ السوء , والذين أفلحوا في سلخِ قطاعٍ كبيرٍ من أبناء الأمة, وسوقهم إلى عتباتِ المقابر, حيث تذبحُ القرابين , وتسكبُ العبرات , وتقدسُ أكوام التراب, ويطلبُ المدد , وتفريجُ الكُرَب , من تلك العظام البالية , واللحوم المتقطعة في وثنية صارخة , وهمجية سافلة , حارت بها العقول, وتقطعت من هولها الأكباد

ويحدثُ ذلكَ كلُه تحتَ سمعِ وبصرِ أصحاب العمائمِ البيضاءِ ، والقلوبِ السوداءِ , الذينَ خَدَعُوا الجماهير بعباءتهم المُنمَّقة , وهيئاتهم المصطنعة , ومسابحهم الطويلة , وأوقعوا في شباكِهم عامةَ الناس وخاصَّتهم , فَطَافَ بالأضرحة المهندسونَ والأطباء , والمثقفونَ والوجهاء , فضلاً عن السذَّجِ والمغفلين , والعجائز والمشعوذين , ألا إنَّها ردةٌ ولا أبا بكرَ لها .

كما أفلحَ الصوفيون , في سلخِ جزءٍ آخرَ من الأمة, وسوقهِ إلى زواياهُم الكئيبة , ومجالسهُم المظلمة ، حيث الضحكُ على الذقون , والسخريةُ من العقول , وحيثُ الدجلُ الفاضح , والكذبُ الواضح , ولقد نَجَحَ أولئك الخرافيين في تصويرِ الدينِ لدى أتباعِهم بأنَّه دروشةٌ وسذاجة , وابتهالاتٌ وأناشيد ورقصٌ وطربٌ وغناء , ويكفي لدخول الجنَّة أن تُهللَ ألف مرَّة, ثم لا عليك بعد ذلك أن ترددَ ورائهم:

يا أكرمَ الخلقِ ما لي من ألوذُ بهِ سواكَ عندَ حدوثِ الحادثِ العَمَمِ

فإنَّ من جودكَ الدنيا وضرَّتها ومن علومكَ علمُ اللوحِ والقلمِ

وهما بيتان للبوصيري , يجلي فيهما بوضوح تلك الحالةَ المفجعة , التي آل إليها هو وأمثالُه من المتصوفة , من الغلو المُفرَط , بشخصِ رسولِ الله r , حينَ منحوه خصائصَ الربوبية , وأشركوه في مقام الألوهية , وقد انساق وراءَ أولئك المنحرفين , جهلةُ الناسِ ومغفلهم , منخدعينَ بمعسولِ عباراتهم , وزيفِ دعواهم .

وويلٌ لك أيها السلفي, ثم ويلٌ لك, لو أنكرتَ عليهم صنيعَهم, أو حذرتَهم مغبَّة غلوهِم , فستكون ساعتها مبغضاً لرسول الله r ، منتقصاً لجنابه الشريف , ويا لله العجب تأرجحت الموازين ! وانقلبت المعايير .

إذا وصَفَ الطائيَ بالبخل مادرُ وعيَّر قُسَّاً بالفهامة باقلُ

وطاولتْ الأرضُ السماءَ سفاهةً وناطحتِ السحبَ الحصى والجنادلُ

وقال السُها للشمس أنتِ خفيةٌ وقال الدُجى للصبح لونكَ حائلُ

فيا موتُ زرْ إن الحياةَ مريرةٌ ويا نفسُ جدي إن دهرك هازلُ

كما ساهمَ في صنعِ واقعنا الكئيب كذلك دجاجلةُ العالم , وشذاذُ الآفاق , وشرُّ من وطئ الحصى , من الروافض الفجرة , فقد أفلحوا في سلخِ جزءٍ آخرَ من الأمة , والعبث بعقائِده وأفكاره , وتصوراتِه واهتماماته , من خلالِ أُكذوبة نُصرةِ آل البيت , وعبرَ قنطرةِ الدفاعِ عن حقوقهم في الإمامةِ والخلافة, وصَوَّروا في أذهانِ المخدوعين بأفكارهِم, والمغترين بدعواتهم , صوَّروا صحابةَ رسول الله r بأنَّهم مغتصبوا الخلافة , ومحرفُوا القرآن , وبالغوا في ذمهم ولعنهِم, حتى كفروهم عن آخرهم - إلا بضعةَ نفر من الموالي - وخصَّوا باللعن والتكفير الخليفتين الراشدين , أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - وخاضوا في عرضِ زوجاتِ رسول الله r , في جراءةٍ بالغة , وهمجية سافرة , ولا يزال أولئك المجرمون يعيثون في الأرض فسادا,ً ويروجون لمذهبهم الباطل , ونحلتهم الضالة , وأصبحتْ لهم دولةٌ وصولة , وشوكةٌ وقوة , وذرعوا الدنيا طولاً وعرضاً, وجيئةً وذهاباً , يستغلونَ بساطةَ الناس وسذاجتهم , وفقرَهم وحاجتَهم, ولا يزال الرفضُ آخذاً في الامتدادِ والاتساع , بفعل الجهود الجبَّارة, والحماسةِ البالغة التي يبذلها طواغيتهُ ومجرمُوه , فاللهم إنَّا نشكو إليك جَلَدَ المُنافق, وبلادةَ المؤمن .

كما ساهَمَ في صنعِ واقعنا الكئيب , وسلخِ قطاعٍ آخر من الأمةِ وتضليله , دعاةُ القوميات الجاهلية , الهادفونَ إلى قطعِ أواصرِ الأُلفة والمحبة بين أبناءِ الأمة الواحدة , واستبدالِ رابطةِ الدينِ والعقيدة, بروابطِ اللونِ والجنسِ واللغة , فمن داعٍ إلى القوميةِ العربية , ومن منادٍ بالقومية التركية , ومن متعصب إلى القومية الفارسية , وقد أَفلَحَ أولئكَ القوميون في استقطابِ بعضِ التافهين المعجبين بأطروحاتهم , المغترينَ بسخافاتِهم . ونادى مناديهم , حيَّ على العروبة , حيَّ على العروبة المُقدسَّة , فعلموا تلاميذهم في المدارس:

أنا عربي, عربي, أحب كُلَّ العرب , فهو يحبُ العربي , وإن كان رافضياً, ويحبُّ العربي وإن كان نُصيرياً , ويحبُّ العربي وإن كانَ بعثياً, ويحبُّ العربي وإن كانَ دُرزياً , ويحبُّ العربي وإن كانَ قبطياً, ويُحبُّ العربي وإن كان علمانياً, فهو عربيٌ , عربيٌ , يحبُّ كُلَّ العربِ , فكلهم عرب تجمعُهم العروبةُ المقدسة .

كما سَاهَمَ في صنعِ واقعنا الكئيب , دعاةُ الوطنية , الذين قدسَّوا أوطَانهم على حسابِ العقيدة , وأنشد شاعر هم:

وطني لو شغلت بالخلدِ عنهُ نازعتني إليهِ في الخُلدِ نفسي

ويقول آخر:

وطني لو صوروه لي وثناً لَهمَمتُ ألثُمُ ذلكَ الوثنا

إنَّ الأوطانَ أيها الوطنيون , لا تُحَبُ إلاَّ بمقدار حبِّ أهلها لله , وبمقدارِ تمسكهم بشرع الله , وبغيرِ ذلك تصبحُ الأوطانُ مجردَ أتربةٍ وأحجارٍ , لا قيمةَ لها .

كما ساهم في صنع واقعنا الكئيب , وسلخ قطاعٍ آخرَ من الأمة , أولئك المتفرنجون من العلمانيين وأشباهِهم , حين صَبَغُوا الأمة بصبغة أجنبيةٍ فاضحة, ورَسَمُوا لها منهجَ حياةِ ملفق , وقادوا البائسين إلى بؤرِ الفساد والفتنة, ومراتعِ الشرِّ والرذيلة , وجَرَّدوا الأمةَ من سرِّ قوتِها , وأساس نهضتِها , ومبعثِ عزتها .

وتنكَّروا لتاريخها , وكفروا بمسلماتها , وسخروا من ثوابتِها , وألبسوا الأمَّة ثياباً من الذلِّ سابغةً , وسَقوها كؤؤساً من الهوان مُترعة , (( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) )]المنافقون: 4[.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت