فهرس الكتاب

الصفحة 8576 من 9994

كلَّ الكلماتِ تسقطُ وتبقى كلمةُ الداعية، وكلَّ العباراتِ تهوي وتسمو كلمةَ الداعية، الدعوةُ إلى اللهِ من أعظمِ ما يتقربُ بهِ إلى اللهِ، كما قال ابن القيم: ( مقامُ الدعوةِ إلى اللهِ من أشرفِ مقاماتِ التعبد ) ، فيا رجالٌ ويا نساء: إنَّ أبوابَ الدعوةِ مفتحةً فكونوا أولَّ السالكين، وإنَّ حِبالها مُرخاةً فكونوا أو الصاعدين .

أخي المسلم: إنَّ ممَّا يُقوي في قلبكَ الغيرةُ على دينِ الله، أن تستشعرَ المسؤوليةَ وجسامتُها، وأن تُقدرَ الخطرُ الداهمِ على أمتك، وتستشعرَ استمراريةِ دعاةِ الباطلِ في إشاعةِ باطلهم، (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ) ) (سورة النساء:27) .

(( وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) ) (سورة ص:6) ، (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (سورة الأنفال:36) .

فأنت ترى أصحابَ المللِ الباطلةِ، والنحلِ الضالةِ يبذلُون كلَّ غالٍ ورخيص، دفاعاً عن باطلهم، ونشراً لمبادئِهم، دُونَ انتظارٍ لجزاءٍ دنيوي.

يقولُ أحدُ الدعاة: أذكرُ أنني ترددتُ كثيراً جداً على مركزٍ من مراكزِ إعدادِ المنصرينَ في مَدريد، وفي فناءِ المبنى الواسعِ وضعُوا لوحةً كبيرةً كتبُوا عليها: أيُّها المبشرُ الشاب، نحنُ لا نعدُكَ بوظيفةٍ أو عملٍ أو سكن، أو فراشٍ وثير، إننا نُنذرُكَ بأنَّك لن تجدَ في عملكَ التبشيري إلاَّ التعبَ والمرض ، كلَّ ما نقدمهُ لكَ هُو العلمُ والخبز، وفراشٌ خشنٌ في كوخٍ فقير، أجرُكَ كلهُ ستجدهُ عند الله، إذا أدرككَ الموتُ وأنت في طريقِ المسيحِ كُنتَ من السُعداء .

هذه الكلماتُ حَركت كثيراً من جندِ الشيطانِ المُبشرين بالنيران، من حملةِ الشهاداتِ في الطبِّ والجراحةِ والصيدلةِ وغيرها، للذهابِ إلى الصحاري القاحلةِ التي لا تُوجدُ فيها إلاَّ الخيامُ والمستنقعاتُ المليئةُ بالنتنِ والأمراض، والمكوثُ هُناكَ السنينَ الطوال، دونَ أجرٍ وبلا منصب، فما بالُنا معشرَ المسلمينَ يجلسُ الواحدُ منَّا شبعانَ متكئاً على أريكتهِ، إذا طُلبَ منهُ نُصرةَ دينِ الحقِّ، أو كُلفَ بأبسطِ المَهامِ، أو عُوتبَ على تقصيرهِ في الدعوةِ، أو لِيمَ على استغراقه في اللهوِ والترفيهِ، انطلقَ كالسهمِ مردداً ياحنظلةَ ساعةً وساعة، وكأنَّهُ لا يحفظُ من القرآنِ أو السُنةِ غيرَ هذا .

تبلدَ في الناسِ حسُ الكفاح ومالوا لكسبٍ وعيشٍ رتيب

يكادُ يُزعزعُ من همتي سدورَ الأمينِ وعزمِ المريب

يا معشرَ المعلمينَ والمعلمات:

يا بَناةَ المجدِ وصانعي الأجيال، إنَّ أهمَّ ما نُخاطبكم بهِ، أن تمكِّنوا همَّ الدعوةِ من قُلوبكم، مُستغلينَ المواردَ المُتاحةِ لكم، قبلَ أن تنضبَ أو تشُوبُها شوائبُ البطالةِ، أو تكتسحُها أيدي السفالةِ.

أيُّها المعلمون والمعلمات:

لماذا لا تُذكونَ في قلوبِكم همَّ دعوةِ طلابكم وطالباتكن إلى الاستقامة، ألستم توجِّهُونَهم إلى ما فيهِ خيرُهم، لماذا يأخذُ التلقينُ المجردُ كلَّ أوقاتِكم مع أنَّهُ الوسيلةُ لا الغاية، لماذا يخرجُ الطلابُ والطالباتُ من فصولهم كما دخلوا إليها، لماذا لا نستغلُ هذا الصرحُ العلمي ليكونَ ميداناً لتخريجِ النشءِ المستقيم على دينه، لماذا لا نوجِّهُ علمنا الذي نُلقِنهُ للأجيالِ أياً كان ذلك العلمُ ليكونَ خادماً لشرعِ الله، تساؤلات ينبغي أن نهتمَّ بها، وأن نعدَّ الإجابةَ عليها قبلَ أن نعدَّ كشوفَ الدرجاتِ، ودفاترَ التحضير، إنَّ دعوةَ الطلابِ تكونُ عبرَ طريقين ، أولهما: أقوالنا، وثانيهما: أفعالُنا، ابتسامتُنا وتواضعنا، وحُسن تعاملنا ولين قولِنا وتغاضينا عن الأخطاءِ، وشرحِ صدورنا لهمومِ طلابنا، إنَّ إذكاءَ روحُ الإسلامِ في الطالبِ، ومخاطبةُ وجدانهِ مع حُسنِ التعاملِ معه، كفيلانِ بأن يخرجا لنا جيلاً يُعتمدُ عليه، فيا ليتَ مُعلمينا ومعلماتِنا لهذا يُدركون، وبه يعملون .

يا معشرَ الطُلاب، إنَّكم تقضُون في المدرسةِ ساعاتٍ هي زبدةُ أوقاتِكم، فإذا لم تقُوموا بالدعوةِ في هذا الميدانِ، فأيَّ ميدانٍ ستكُونونَ أكثرَ إنتاجاً فيه، إنَّ فئةَ الطلابِ من أكثرِ الفئاتِ استجابةً للدعوة، وقابليةً للتأثيرِ، وفئةُ الطُلابِ أقربُ للناسِ إلى الشابِ، فهو يعيشُ معهم، ويخالطهم ويجالسهم، لذا فإنَّ دعوتَهم أولى من دعوةِ غيرهم، والمسؤوليةِ تجاهَهُم آكدُ من المسؤوليةِ تجاهَ غيرهم .

مؤسفٌ كل الأسفِ أن ترى بعضَ شبابنا يقضي مع زملائهِ سنينَ عدداً، في مقاعدِ الدراسةِ لم يتلقوا منهُ كلمةَ نصح، أو توجيهاً لمعروفٍ، أو تغييراً لمنكرٍ، أو مساهمةً في نشرِ الخيرِ ودعوةِ الغير.

فيا أخي الطالبُ ساهم في نُصرةِ دينكَ بدعوةِ زملائِك، بكلمتكَ بهديتك، برسالتكَ، بالقدوةِ في الصلاحِ والسلوك.

وأخيراً إلى أختي المسلمة:

يحزُّ في النفسِ أن يرى المرءُ ذلك التمردُ الأخلاقي الذي يعصفُ بنا من كلِّ حدبٍ وصوب، ثُمَّ يجدُ من بعضِ صالحاتِنا عزوفاً أو انشغالاً عن تلك المسؤوليةِ العظيمة، فيا سُبحان الله!! لمن تتركنَ الميدان.

فيا أختي المسلمة:

ألا يكتوي قلبُكِ حين ترين تلك الوحوشَ الكاسرةِ التي كشَّرت عن أنيابها الفضائية، ومخالبها الصحفية، وراحت تعبثُ بأخواتكِ، وتنتهكُ عفتهنَّ وكرامتهنَّ، ألا يتفطرُ فؤادكِ وأنت ترينَ مظاهرَ التفسخِ وقلةَ الحياءِ تستشري في نسائنا.

أيطيبُ لك عيشٌ وأنتِ ترين الفتاةَ تلو الفتاة، وقد رمت بحجابها، وراحت تركضُ هُنا وهناك، مُلبيةً نداءَ تلك الأبواقِ الخاسئة، التي مُلئت بكلِّ الوان الدهاءِ والفتنة .

كيف تقوى نفسُكِ على القعودِ وأنتِ تملكينَ بفضلِ الله القدرةَ على تحصينِ أخواتكِ من حبائلِ المفسدين .

أختي المسلمة:

إمَّا أن تتقدمي أنت، وإلاَّ فإنَّ المفسدين لنا بالمرصاد، وبقدرِ تقصيركِ يكونُ إقدامُهم، ومن أيقنت بعظيمِ مسؤوليتها هانت عليها كل العقبات، ومن صدقَ الله صدقهُ الله .

أيُّها المسلمون:

فلنستشعر الشعورَ بالاستحياءِ من اللهِ جلَّ جلالهُ في قلوبنا، حين نرى من لا خلاقَ لهم يكدحونَ ويُضحُّون لنصرةِ باطلهم، ويُوفُون مع إمامهم إبليس، بالعهدِ الذي قطعهُ على نفسهِ، (( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) ) (سورة ص:82) .

لابدَّ من الدعوةِ إلى اللهِ على كلِّ المستويات، دعوةً للمنحرفين والغافلين إلى التمسكِ بالإسلام، دعوةَ للمتمسكينَ بهِ لبعثِ هممهم، وتعريفهم بطريقِ العملِ وفقه الدعوة، لابدَّ من الدعوةِ إلى الله وعلوَّ الهمةِ فيها، لانتشالِ الأمةِ من تيهها الذي تهيمُ فيهِ، فالسوادُ الأعظمُ قد انحرفَ غيرَ ما قُصد كيدٌ ولا إرادةٌ سوء، لابدَّ من الدعوةِ إلى الله لاستنقاذِ الظباءِ الجفولةِ، والعصاةُ الذين تخلَّفوا عن منازلِ الفضل، لابدَّ من الدعوةِ إلى الله وإلاَّ فسدت الأرض، وأسنتِ الحياة وتعفنت، وذاقت البشريةُ الويلات من بعدها عن منهج الله، حينما يعيشُ الإنسانُ لدعوةِ الله يومَها فقط سيذوقُ معنى السعادة،

إنَّ السعادةَ أن تعيشَ لفكرةِ الحقِّ التليد

لعقيدةٍ كبرى، تحلُّ قضيةَ الكونِ العتيد

وتجيبُ عمَّا يسألُ الحيرانُ في وعيٍ رشيد

فتشيعُ في النفسِ اليقينِ وتطردُ الشكَ العنيد

وتردُّ للنهجِ المسددِ كلَّ ذي عقلٍ شريد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت