فهرس الكتاب

الصفحة 8578 من 9994

وأما الاستهانةُ بالزخارفِ, والمظاهرِ الجوفاء, فذاكَ أثرٌ آخر من آثارِ تربيةَِ محمدٍ r , لذلكَ الرعيلُ المدهش . هذا ربعيُ بنُ عامر , رسولُ سعدَ بن أبي وقاص إلى رُستُم , قائدُ الجيوشِ الفارسيةِ , يدخلُ على رُستم , وقد زيَّن مجلسهُ بالنمارقِ, والزرابي الحرير , وجَّملَ إيوانهُ باللآلئِ الثمينةَ , واليواقيت العظيمة , وقد تربعَ ذلكَ المجوسي , على سريرٍ من ذهبٍ , وفوقَ رأسَهُ تاجٌ مُرصَّع , فيدخلُ ربعيُ بن عامر , بثيابٍ صفيقةٍ , وينزلُ عن فرسهِ , ثم يربطها ببعضِ تلك الكراسي المصفوفة ,ويقبلُ على رُستم , يتوكأُ على رُمحهِ فوقَ النمارقِِ المفروشةِ , فيخرقُ عامتها غير مكترثٍ بالسيوفِ اللامعةِ فوقَ رأسه .

إنَّ ربعيَ بن عامرٍ ,لم يكنْ همجياً في تصرفاتهِ ,أو مستهتراً في سلوكه, ولكنَّهُ أرادَ أنْْ يُلقنَ أولئكَ المفتونين , درساً عملياً , بأنَّ تلكَ الزينةُ, وذاك المتاعُ زائلٌ لا محالة , طالَ الزمانُ أم قصُر , وأنَّهُ لا قيمةَ لذلكَ العرض حين يغيبُ الإيمانُ وتنتكسُ الفطرةُ , ويُجحدُ حقُّ الربِّ جلَّ جلاله .

إنَّ ربعيَ بن عامر , يريدُ أن يقولَ بتصرفٍ لا يفهمهُ إلا الأذكياءَ فقط, يريدُ أن يقولَ أنهُ لا قيمةَ لهذه القصورِ , ولا لهذه الدور , ولا لتلكَ اللآلئ , ولا تِلك الفرش , يومَ يُزجُ بأصحابها على وجوههم في نارِ جهنم , ذوقوا مسَّ سقر إنَّا كل شيء خلقناه بقدر .

أيها المسلمونَ:

كما كانَ من آثارِ التربيةِ الإيمانيةِ , التي تشرَّبها صحابةُ رسولِ الله r الأمانةُ, وعفةُ النفسِ , تلكَ التي وقعتْ حائلاً , وسدَّاً منيعاً , أمامَ المطامع, والشهواتِ الجارفة .

لقد وقعَ في تاريخ الفتحِ الإسلامي , من قضايا العفافِ عنِ المغنم , وأداءِ الأماناتِ إلى أهلها , ما يعُجزُ عن ذكرِ ما يماثله , وما ذاك إلا لرسوخِ الإيمان ومراقبةِ الملكِ الديان , واستحضارِ علمهِ في كلِّ مكانٍ وزمان , لما هبطَ المسلمون المدائنَ , وجمعوا ما فيها من الغنائمِ , أقبلَ رجلٌ بحُقٍ معه , فدفعهُ إلى صاحب الأقباض , فقال والذين معه , ما رأينا مثل هذا قط , ثم سألوه هل أخذتَ منهُ شيئاً ؟ ! فقال أما واللهِ , لولا اللهِ , ما أتيتُكم به , فقالوا: من أنتَ يرحمكَ الله ؟ من أنت ؟ ! فقال: لا والله ِ, لا أخبركم لتحمدوني ولكنْ أحمدُ الله , وأرضى بثوابه , يا سبحان الله ! أيُّ رجالٍ هؤلاء !! يعثرُ على كنزٍ من كنوزِ كسرى , يُقدرُ بالملايين , في يومِ فتحٍ عظيم , فيأبى عليه إيمانه وأمانته أن يحوزهُ إلى متاعه , أو يستأثرَ به لنفسه , رُغمَ بُعدهُ عن الرقيبِ , وانشغالِ النَّاس عنه , فيحملهُ بكلِّ أمانةٍ وعفةٍ , إلى حيثُ يقسم بالعدلِ , ويأبى أن يفصحَ عن اسمه , مكتفياً بثناءِ الله, ورضاه ! إنها التربيةُ التي أولاها رسولُ الله r عنايته , وأنفقَ لها وقته , وبذلَ من أجلها وسعَه !

إنها التربيةُ التي أثمرتْ في قلوبِ المسلمين , شجاعةً خارقةً للعادة , وحنيناً صادقاً إلى الجنَّةِ , واستهانةً نادرةً بالحياة , تمثلوا الآخرة , وتجلتْ لهم الجنةُ بنعمائها , كأنَّهم يرونها رأي عين , فطاروا إليها طيرانَ حَمامٍ زاجل , لا يلوي على شيء .

هذا أنسُ بنُ النَّضر , يتقدم يومَ أحدٍ , وقد انكشفَ المسلمون , فيستقبلهُ سعدُ بن معاذ , فيقولُ يا سعد , الجنَّةُ وربِّ الكعبة , إنِّي أجدُ ريحها من دونِ أحد فيتقدمُ, ويقاتلُ , فيضَربُ ويُضرب , ويُهاجِمُ, ويُهاجَم , حتى خرَّا شهيداً فإذا بجسده بضعٌ وثمانون جراحة , ما بينَ ضربةٍ بسيفٍ , أو طعنةٍ برمحٍ , أو رميةٍ بسهم , وقد مثلَ المشركون بجسدهِ الطاهرَ , فما عرفه غيرُ أختهِ ببنانه .

وهذا عُميرُ بن الحُمَام , يسمعُ رسولَ الله r يقول: قوموا إلى جنةٍ عرضُها السمواتُ والأرض ,فيقول عمير: يا رسول الله ,جنةٌ عرضها السمواتُ والأرض , قال: نعم , قال: بخٍ بخ , فيقول رسول الله , ما يحملكَ على قولِ بخٍ بخ ؟ ! قال: لا والله يا رسول الله , إلا رجاءَ أن أكونَ من أهلها: قال: فإنَّك من أهلها .!

فأخرجَ عُمير تمراتٍ من قرنِه, فجعلَ يأكل منها , ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكلَ تمراتي هذه , إنَّها لحياةُ طويلة , فرمى بالتمرات , ثم قاتل حتى قُتل , رحمهُ الله ورضي عنه . عجيبٌ أمرُ أولئك البشر! إنَّهم يستهينونَ بالموت , ويستثقلونَ وطأةَ الحياةِ , حينَ يكونُ الثمنُ , هو الجنَّةُ , لذا وجدتهم أُسوداً لا تشبههُم الأسود , صدقًا في اللقاءِ, قهراً للعداءِ , لئنْ أنا حييتُ , حتى آكلَ هذه التمرات , إنَّها لحياةٌ طويلة .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

أيها المسلمون:

فمِمَّا تقدم ذكرُهُ , ندركُ بجلاءٍ, ووضوح , أثرَ التربيةِ الإيمانيةِ التي أولاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنايتَه في حياةِ الأمةِ آنذاك , يومَ غابَ الظلمُ والخوف , وساد العدلُ والإيمان , في كلِّ زاويةٍ من زوايا المجتمعِ , و تحققَ للأمةِ في ظرفِ مائة عامٍ من النصرِ, والفتحِ, والتمكين , ما أبهرَ العقول وأسرَ الأفئدة !! والأمةُ اليوم , بحاجةٍ جدُّ ماسةٍ , إلى اقتفاءِ المنهجِ المحمدي , في الإصلاحِ والدعوةِ , بعد أن جرَّبت كل المناهجِ الغربيةُ, والشرقية , فلمْ تُغنِ عنها شيئاً ! إنَّ الجهودَ ينبغي أن تتجهَ نحو تحقيقِ التربيةِ الإيمانية , القائمةِ على أساسِ ترسيخِ عقيدةِ الإيمانِ باليومِ الآخر , وبذلك , تنتهي جميعُ مشاكلِ المسلمين , وتتلاشى الانقساماتُ, والخصومات , ويختفي البغيُ والظلمُ والعدوان , حينها تتفرغُ الأمة , لمواجهةِ عدوها المشترك من الكفرةِ, والمنافقين والذين لم يدخروا وسعاً, ولم يألوا جهداً , في تمزيقِ الأمة , وإشاعةِ الفُرقةِ والخصومة , بينَ أبناءِ الجسد الواحد .

أيها المسلمون:

ولن يتحقق شيءٌ من ذلك , إلا بتظافرِ الجهودِ بينَ الجميع كلٌ على ثغرهِ , فالمسؤولُ في دائرتِهِ , والمُدرسُ في مدرسته , والأبُّ في بيته ! وعلى العلماءِ والدعاةِ خاصة,أن يبذلوا جهودهم في التربيةِ والإصلاح, وأن يُبصِّروا الناس , بأسبابِ سعادتهم , وبواعثِ عزتهم , حنفاءَ لله غير مشركينَ به , أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )] يوسف:108[.

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .

وأرضى اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت