فهرس الكتاب

الصفحة 8594 من 9994

وبعد هذا العرضِ لشيءٍ من آياتِ المكرِ في القرآنِ يردُ السؤالُ: وأين المسلمونَ من هذه التوجيهات، وغيرها في القرآن ؟ أينَ هُم منها علماً وعملاً ، ومعرفةً ويقيناً، وصدق الله، (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) ) (الإسراء: 9/10) .

اللهم انفعنا بهدي القرآن..

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوان إلاَّ على الظالمين، ومن يهنِ اللهُ فما لهُ من مكرم.

إخوةَ الإسلام: ونحنُ هذهِ الأيامِ أمامَ هجمةٍ شرسةٍ، بكل المقاييسِ وأنواع الهجوم ، وفي ظل أزمةٍ لا يعلمُ مَداها إلاَّ الله ، فالمستقبلُ مُظلم، ومؤشراتُ الملاحِمِ والفتنِ تملاءُ الأفاق، والمصيبةُ أنَّ المسلمين في غفلةٍ عن هذا ، على حينٍ يتحركُ الأعداءُ ويجتمعونَ ويُخطِطُون، والبوارجُ الكُبرى تمخُرُ عُبابَ البحرِ مُحملةً بأنواعِ الأسلحة، وأساطيلُ الجوِ تتحركُ من مغربِ الأرضِ إلى مشرقها، والمناوراتُ العسكريةُ من قبلِ جنودِ النصارى واليهودِ على أشدّها، أيستحقُ العراقُ كلَّ هذهِ الحشود ؟ وما هي الخطوةُ الأخرى بعد العراق ؟ وهل يسوغُ أن يظلَّ المسلمون يتفرجون والعدوُّ يحتلُّ بلادهم، ويقتلُ أبناءَهم، ويسيطرُ على مُقدَراتِهم ؟ تلك أسئلةٌ كثيراً ما تُثار، فمن يُجيبُ عنها بصدق ؟

لقد أصيبُ المسلمون بذُلٍ، وهُم الأعداء، وتفرقت كلمتُهم وهُم الأمةُ الواحدة، وأصبحوا هدفاً للغزو بعد أن كانَ قادةُ الفتحِ، والإسلامُ لا خوفٌ عليه ولكن الخوفَ على المسلمين، فالله يقول: (( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ) (سورة محمد:38) .

فإلى متى يظلُّ المسلمون هدفاً لمخططاتِ الأعداء ..

إنَّ الإسلامَ يأبى الذوبانَ في المللِ الأخرى، بل يظلُ قدرهُ حتى في الأزمات، واليومَ يشهدُ الناسُ أنَّ دينَ اللهِ يسيحُ في أرضِ اللهِ رُغمَ المطاردةِ والتُهمِ والإرجافِ والإرهاب، وفي بلادِ الغربِ نفسها يُطالعُ كلَّ يومٍ خبراً عن الإسلامِ مجموعةً من غيرِ المسلمين، ولم يعد الأمرُ قصراً على الرجالِ بل شملَ النساءِ، ناهيكَ عن مدِّه في آفاقِ الأرضِ كلِّها ، ولعل هذا المدُّ الإسلاميَ بشكلٍ عام أحدُ المخاوف الكُبرى التي أثارت الغرب، فرأوا تعجيلَ الضربةِ للمسلمينَ قبلَ أن يكتسحهمُ الإسلام، أمَّا في البلادِ الإسلاميةِ فتستمرُ ثمارُ الصحوةِ لتغطيَ مساحةً أوسع، ولتشملَ كافةَ القطاعاتِ المدنيةِ والعسكرية، وعلى مستوى الرجالِ والنساءِ، ولعلَّ هذهِ الحملاتِ الغربية، وتلك الصورَ اليهوديةِ الماسونية لإبادةِ المسلمين تزيدُ من تنامي الصحوةِ، وتُعجلُ بيقظةٍ المسلمين - وهكذا يمكرُ الأعداءُ ويمكرُ الله، واللهُ خيرُ الماكرين .

وكلَّما ظنوا أنَّهم أوشكوا على القضاءِ على المسلمين، وإذا بالإسلامِ يُثبِّتُ أقدامَهم، ويُوقظُ عزائمهم.

أيُّها المسلمون، والنصرةُ للمسلمِ حقٌ مشروعٌ والرسولُ- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) )، وحين يُبيتُ شعبُ العراقِ المسلمِ من ليلٍ أو نهارٍ، فلا يسوغُ للمسلمينَ أن يسكُتوا، ومن حقِّهم الدفاعُ عن أنفسِهم وإخوانِهم بكلِّ ما يستطيعون.

إخوةَ الإيمانِ: وإذا أصرَّ المجترءُون على طُغيانهم، وحققُوا ضرباتهم، فلعلَّها أن تكونَ بدايةَ النهايةِ، وعساها أن تكونَ مرحلةً لضعفِ القوةِ ونهايةَ الظلمِ والغطرسةِ، وسننُ اللهِ ماضيةٌ في الفناءِ والهلاكِ على كلِّ مستكبرٍ ظالمٍ غشوم، جاحدٍ بآيات الله، (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ) ) (سورة الأحقاف:26) .

(( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) ) (سورة القصص:58) .

أيُّها المسلمون: هل تُوقظُ هذه الملاحمُ والفتنُ المتوقعةُ ضمائرَ المسلمين، فيحاسبوا أنفسَهم، ويعودُوا إلى بارئهم، ويُبادِروا بالأعمالِ الصالحةِ، كما أوصاهم حبيبُهم وناصحُهم ونبيُهم- صلى الله عليه وسلم-: (( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ) ).

وهل تدعوهم هذه الأزماتُ وتجمعُ الأعداءٍ إلى نبذِ الفرقةِ، واجتماعِ الكلمةِ وتوحيدِ الهدف؟!: فتلك القوةُ التي لا تُغلب.

ومن مخارجِ الأزمةِ الإيمانُ بالله، واليقينُ بنصره، والتوكلُ عليه وحده،: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (سورة آل عمران:173) .

أجل-"حسبنا الله ونعم الوكيل"- قالها إبراهيمُ حين ألقي في النار، فكان الجوابُ ، (( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) ) (سورة الأنبياء: 69،70) .

وقالها المؤمنونَ مع محمد- صلى الله عليه وسلم- حين قيلَ لهم إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم في حمراءِ الأسد، فكان الجواب (( فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ) (سورة آل عمران:174) .

وما زال التوكلُ على اللهِ، واليقينُ بنصرهِ سلاحاً يتدرعُ به المؤمنون، كلَّما اشتدت الأزماتِ، وتكالبَ الأعداءُ، ولكن لا بدَّ مع الإيمانِ من عملٍ، ومع اليقينِ من جُهدٍ يُبتلى من الإيمانِ ويتميزُ الصادقون من الكاذبين،: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:142) .

إنَّ من معوقاتِ النفسِ عن الجهادِ حبّ الآباءِ والأبناءِ والإخوان، والأزواجِ والعشيرة، والأموالِ والتجارةِ التي تخشى كسادَها، والمساكينُ التي ترضي، وإيثارُ السلامةِ والإخلادِ للراحةِ والدعة، وتلك التي حذَّرَ اللهُ منها المؤمنين بقوله: (( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ) (سورة التوبة:24) .

إنَّ ما عند اللهِ خيرٌ وأبقى، وهذه الحياةُ الدنيا متاعٌ والآخرةُ هي دارُ القرار، وما ذا بعد أن تُهانُ كرامةُ المسلمين، ويُسخرُ بدينهم ونبيهم ، ويهددونَ بالاحتلالِ في قعرِ دارهم ، إنَّ المسلمين وعُدوا إحدى الحسنيين، فإمَّا النصرُ أو الشهادة،

ومن لم يمت بالسيفِ مات بغيرهِ تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحدٌ

فإمَّا حياةٌ تسرُّ الصديق وإمَّا مماتٌ تغيضُ العداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت