فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه فذلك هو التقوى الذي تتقون به نار جهنم قال الله تعالى:? وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتىِ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ? [آل عمران: 131 ] أتقوا الله تعالى وقوموا بما أوجب الله عليكم من فعل الطاعات واجتنبوا ما حرم الله عليكم من المعاصي التي بها نقص إيمانكم وابتعادكم عن ربكم عز وجل عباد الله تفقهوا في دينكم الذي بعث به الله محمدا صلى الله عليه وسلم تفقهوا في عقائده تفقهوا في أحكامه فان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (1) علموا شرائع الله لتعبدوا الله على بصيرة وتدعوا اليه على بصيرة فانه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون اطلبوا العلم فان العلم نور وهداية والجهل ظلمة وضلالة اطلبوا العلم فانه مع الإيمان رفعة في الدنيا والآخرة كما قال الله عز وجل:? يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? [ المجادلة: 11] اطلبوا العلم فانه ميراث الأنبياء لان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا درهما ولا دينارا قال النبي صلي الله عليه وسلم ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ) (2) ولهذا لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم لم ترثه ابنته فاطمة ولا أحد من عصبته لأن الأنبياء لا يورثون المال (و إنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ) (3) اطلبوا العلم فانه ذخر لكم في الحياة وبعد الممات قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا مات ابن الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) (4) ولا شك أن العلم الذي ينتفع به هو أبقى هذه الثلاثة وأعمها نفعا ولهذا نجد العلماء الذين في صدر هذه الأمة والذين لهم مئات السنين ينتفع الناس بعلومهم الآن وإلى ما شاء الله بعد الآن اطلبوا العلم يكن لكم لسان صدق في الآخرين فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكورا وذكرهم مرفوعا إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم وإن ذكرت الأعمال الصالحة والآداب العالية كانوا قدوة الناس فيها قال الله عز وجل:? أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ? [الأنعام: 122] اطلبوا العلم مبتغين به الأجر من الله عز وجل لا لتنالوا عرضا من الدنيا ( فإن من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة يوم القيامة ) (5) اطلبوا العلم لترفعوا به الجهل عن أنفسكم فان الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ولا علم الا بالتعلم اطلبوا العلم لترفعوا به الجهل عن عباد الله فتنشروا العلم بين الخلق فإن على أهل العلم حق تبليغه قال النبي صلي الله عليه وسلم ( بلغوا عني ولو آية ) (6) وقال ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) (7) اطلبوا العلم لتحفظوا به شريعة الله فإن الشريعة تحفظ بشيئين بالكتاب المستور وبالحفظ في الصدور وهو العلم اطلبوا العلم لتدافعوا به عن شريعة الله فإن الدفاع عن الشريعة إنما يكون برجالها اطلبوا العلم لهذين القصدين العظيمين حفظ الشريعة والدفاع عنها لا سيما في وقتنا هذا فإن الرويبضة يتكلم في العلم من ليس بأهله إما لضعف في دينه وإما لقلة في علمه وإما لعدم البصيرة في فقه الشريعة لهذا كان طلب العلم في هذا العصر أوكد من أي وقت مضى عن قريب لذلك أحث شبابنا بالأخص على طلب العلم الشرعي وأن يتفطن لما يحاك من أعداء الشريعة لإطفاء نورها ولكنهم كما قال تعالى: ? يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ? [ التوبة: 32 ] اطلبوا العلم لتدعوا به إلى الله عز وجل فان الدعوة إلى الله لا تتم بدون العلم وكم من شخص نَصَّبَ نفسه داعية إلى الله لكنه لا علم عنده فلا تكمل دعوته ولا تتم وربما تكلم عن جهل فافسد أكثر مما يصلح قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [ يوسف: 108] لا يمكن للداعية أن يدعو إلى الله إلا على علم وبصيرة فان دعا عن جهل فانه قد يخطئ خطأ فادحا فيضل ويضل أيها الناس إن طلب العلم من أفضل الأعمال لما فيه من هذه المطالب العالية لا سيما في وقتنا هذا الذي كثر فيه طلب الدنيا والتكالب عليه وكثر فيه القراء العارفون دون الفقهاء العاملون إن ثمرة العلم العمل والدعوة إلى الله به فمن لم يعمل بعلمه كان علمه وبالا عليه ومن لم يدعو الناس به كان علمه قاصرا عليه ومن عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم قال الله تعالى:?وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ? [محمد: 17] ومن ترك العلم بما علم أوشك أن ينزع عنه العلم كما قال الله تعالى ?فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ? [ المائدة 13] (وقد قيل العلم يهتف بالعمل فان أجاب والا ارتحل) (ك1) (وقيل قيدوا العلم بالعمل كما تقيدونه بالكتابة) (ك2) أيها الناس لإن سألتم كيف ينال العلم فإننا نقول إن لنيل العلم طريقين احدهما أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها والتي ألفها علماء مرضيون بعلمهم وأمانتهم والثاني أن يتلقى ذلك من معلم موثوق به علما وديانة وهذا الطريق أسلم وأسرع وأثبت للعلم لأن الطريق الأول طريق التلقي من الكتب قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري إما لسوء فهمه أو قصور علمه أو لغير ذلك وأما الطريق الثاني وهو تلقيه من المعلم فلأنه تكون فيه المناقشة والأخذ والرد بين المتعلم والمعلم فينفتح للطالب بذلك أبوابا كثيرة كبيرة في الفهم والتحقيق وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة ورد الأقوال الضعيفة وإذا جمع الطالب بين الطريقين التلقي من الكتب ومن المعلمين كان ذلك أكمل وأتم وليبدأ الطالب بالأهم فالمهم وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها حتى يكون مترقيا من درجة إلى ما فوقها فلا يصعد إلى درجة الا وقد تمكن مما تحتها ليكون صعوده إليها سليما فإن قال قائل ما حكم طلب العلم فالجواب أن طلب العلم فرض كفاية فالقائم به قائما بفرض ( وما تقرب أحد إلى الله بشئ أحب اليه مما افترضه عليه ) (8) وإذا احتاج الإنسان إلى نوع منه كان فرضا عين عليه فمثلا إذا أراد الإنسان أن يتوضأ فلا بد أن يتعلم كيف يتوضأ إذا أراد أن يصلي لا بد أن يعلم كيف يصلي إذا أراد أن يزكي وعنده مال فلا بد أن يتعلم كيف يزكيه وهكذا فهو فرض عين على من أراد أن يعمل عبادة لتكون عبادته على بصيرة اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن توفقنا للهدى والرشاد وأن تجنبنا الضلال والفساد اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العاملين.