فهرس الكتاب

الصفحة 8727 من 9994

لما احتضر عامر بن عبد الله بكى وقال:"لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا أنت ثم لم يزل يرددها حتى مات رحمه الله".

وانظر إلى تأسفهم على الدنيا وما فيها، لعلمهم أنها دار عمل فقد بكى أحد العباد فقيل له: مايبكيك؟ فقال:"أن يصوم الصائمون ولست فيهم و يذكر الذاكرون ربهم ولست فيهم و يصليَ المصلون ولست فيهم".

إن الموت الذي تقدم وصفه كل منا ملاقيه، كل منا سيمر بتلك اللحظات العصيبة الأنفاس مضطربة، والعين حائرة كسيرة، والقلب في وجل وخوف،إنها ساعة الإحتظار التي قال فيها عمرو بن العاص t لما سئل عنها وهو يموت فقال:"والله لكأني أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قدميَ إلى هامتي"، هذا هو الموت وشدته فتذكر عبد الله تلك الساعة لا تدري من أي الأبواب ستدخل وأي الدارين تسكن فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال ميمون بن مِهْران من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم على عمله كائنا من كان قال الله جل وعلا:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (، وقال ربنا جل جلاله:) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا(.

قال بعضهم دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه فقلنا له كيف ترى حالك فقال:"الموت في عنقي والقبر بين يدي والقيامة موقفي وجسر جهنم طريقي و لا أدري ما يفعل بي ثم بكى بكاء شديدا وقال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في قبري ومصرعي وارحم مقامي بين يديك ياأرحم الراحمين".

قال الخليفة عبد الملك بن مروان في مرض موته: ارفعون ، فرفعوه حتى شم الهواء وقال:"يادنيا ما أطيبك إن طويلك لقصير وإن كثيرك لحقير وإنا كنا بك لفي غرور، وقيل له في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال:"أجدني كما قال الله جل وعلا:) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ(.

قال بن السِمَاك:"إن استطعت أن تكون كرجل ذاق الموت وعاش ما بعده، ثم سأل الرجعة فَأُسْعِفَِ في طلبه وأعطيَ حاجته فهو متأهب مبادر نفعا، فإن المغبون من لم يقدم من ماله شيئا، ومن نفسه لنفسه".

عباد الله: إننا ونحن نسمع قصص السلف ومواقفهم هذه لحري بنا أن نكون مثلهم

في الاجتهاد والعبادة، والاستعداد للموت قبل حلوله، وليكن المؤمن على خوف ووجل من ربه جل وعلا ، وإياك أيها العبد الموفق إياك أن تحتقر ذنبا، فلا تبالي به ولا تندم على فعله فإن هذا خطرعظيم، يروى أن بن المنكدر لما حضرته الوفاة جعل يبكي فقيل له ما يبكيك؟ فقال:"والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته ولكن أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم".

إن ذكر الموت وسكرتِه وفضاعتِه تفزع منه النفوس وتقشعر القلوب ويصلح به العمل ويعظم الاستعداد ليوم الرحيل، ها هو عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول:"لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد"، سئل أحد السلف ما بالنا نحب الحديث في الدنيا ونكره الحديث في الموت؟ فقال:"لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب"، قال المزنيُ دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت كيف أصبحت ؟ فقال:"أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها"ثم بكى رحمه الله وغفر له.

اللهم ياحي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام ، اللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله.

اللهم ياحي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول و عمل.

أقول هذا وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: فلقد كان فقه السلف في هذا الباب عظيما، ها هو سفيان الثوري رحمه الله بكى ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له: أكل هذا خوفا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض وقال:"الذنوب أهون من هذه، وإنما أبكي من سوء الخاتمة"، وهذا من أعظم الفقه ، أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى.

قال بعض الحكماء:"إعلم أن الخاتمة السيئة - أعاذنا الله منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا و لاعُلم به ولله الحمد، إنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم، ولربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية، فيظفر به الشيطان ويختطفه في تلك اللحظة والعياذ بالله".

لما نزل الموت بسليمان التيمي وكان من العباد، قيل له: أبشر لقد كنت مجتهدا في طاعة الله ، فقال:"لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدوا لي من الله عزوجل فإنه سبحانه يقول:) وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون( عملوا أعمالا كانوا يظنونها أنها حسنات فوجودها سيئات"، فاللهم احفظنا يا أرحم الراحمين.

إن دار الدنيا دار العمل والتزود من طاعة الله قبل الرحيل، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، والخروج من دار العمل إلى دار الحساب شديد، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله:"الدخول في الدنيا هين ، ولكن الخروج منها شديد".

فاستعدوا رحمكم الله بالعمل قبل أن يحال بينكم وبينه، فها هو القعقاع بن حكيم يقول:"قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة !، فلو آتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء".

واحْتُضِر بعض الصالحين فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك ؟ قالت: عليك أبكي، قال:"إن كنت باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيَت على هذا اليوم منذ أربعين سنة"الله أكبر!!، إنه الا ستعداد للموت قبل الفوت، أين نحن من هؤلاء في الخوف من الله ، والحرص على الطاعات واجتناب المحرمات، تأمل بارك الله فيك في ساعة احتضارك وحلول الموت ببابك.

إن مشهد الاحتضار مؤثر مقلق حين تبلغ الروح الحلقوم ويقف صاحبها على باب عالَم آخر ومن حوله مكتوفوا الأيدي عاجزون لا يملكون له شيئا:) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد( قد شلت قدمك ، ويبست يدك ، وشخص بصرك ، وخَرِصَ لسانك وهُدت أركانك.

فيا أيها العبد الحقير الذليل: إعلم أن من خاف الوعيد قصرعليه البعيد، ومن طال أمله قصرعمله، كل ماهوآت قريب، واعلم أن كل شيء يشغلك عن خالقك فهو مذموم ، و أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور، صغيرُهم، وكبيرُهم ،غنيهم، وفقيرهم، عما قليل إليها منتقلون وعما قدمت أيديهم مسؤولون، )وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(.

قال الأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المُعَزى فيها لكثرة الباكين وإنما كان بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت