فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وإياك أن تغمسَ نفسك في الشهوات، وتُغرقَ قلبكَ بالمحرمات، فتظلمَ الدنيا في عينيك، وتضيقُ بك الحياةَ مع سعتها على غيرك، وقد قيل في معنى قوله تعالى: (( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) )وهو الذي لا يتسعُ لشيءٍ من الهدى، ولا يخلصُ إليه شيءٌ من الإيمانِ ينفعهُ وينقذهُ.
وقد سألَ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رجلاً من الأعرابِ من أهلِ البادية: ما الحرجة؟ قال: هي الشجرةُ تكونُ بين الأشجارِ، لا تصلُ إليها راعيةً ولا وحشيةَ ولاشيء، فقال:- رضي الله عنه- كذلك قلبُ المنافقِ لا يصلُ إليه شيءٌ من الخير [3]
فحذارِ أخي المسلمُ أن تسيطرَ عليكَ الغفلة، أو أن تُغريك اللذةُ العاجلة، فتُنسيك ما أمركَ الله به، أو تدعوكَ لفعلِ ما نهاكَ عنه، وتذكرَ وأنت في الدنيا محادثة أهلِ النار واعترافهم (( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) ) (المدثر: من الآية 42 إلى الآية 49) وعليك بالجمعةِ والجماعة.
وإطعامُ الطعام، وصلةُ الأرحام، وفعلُ الخيرات، وتركُ المنكراتِ جهدك، فإنَّها أسبابٌ جالبةٌ لشرحِ الصدر والهديةِ بإذن الله، وعكسها جالبةٌ للضيقِ والشقاوة، والضلالِ عن صراط الله.
وتأمل على سبيلِ المثالِ أثر عدم إقامةِ الصلاةِ، والتهاونُ في اجتماع المسلمين للصلاة، وكونهُ طريقاً لاستحواذِ الشيطان، يقولُ الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( ما من ثلاثة في قرية، لا تقامُ فيهم الصلاة إلاَّ استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعةِ فإنَّما يأكلُ الذئبُ القاصية ) ) [4] .
ويقولُ- عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ آخر: (( ما عملَ ابن آدم شيئاً أفضلُ
من الصلاة، وإصلاح ذات البين، وخلقٌ حسن )) [5]
ثانيا: من أسبابِ الهدايةِ والتوفيقِ للصراط المستقيم، استدامةُ ذكر الله، فذكرُ الله على كلِّ حالٍ سببٌ جالبٌ لارتباطِ القلبِ بالله، وعاملٌ مهمٌّ لطمأنينةِ القلبِ وانشراح الصدر، يقولُ خالقُ هذا القلبِ، والعالمُ بمكوناتهِ وأسراره (( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) (الرعد: من الآية28) .
وهل علمت أخا الإسلام أنَّكَ على قدرِ ذكركَ للهِ يذكركَ الله (( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) )بل يزيدُ اللهُ تفضلاً منهُ ورحمة، فيذكركَ أكثر: (( من ذكرني في ملاءٍ ذكرته في ملاءٍ خيرٌ منه ) ).
وهل علمت أنك حينما تتغاضى وتتكاسلُ عن ذكر الله، يسلطُ اللهُ عليكَ الشياطين، فيكونوا هُم صُحبتك وقرناءَك: (( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) ) (الزخرف:36) .
والفرقُ كبيرٌ بين صحبةِ الملائكةِ وصحبةِ الشياطين، وإذا أردت أن تعلم ذلك جيداً فتأمل هذا الحديث، وتأمل أثرَ الذكرِ فيه، يقولُ الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- (( ما من راكبٍ يخلو في مسيرهِ بالله وذكره إلاَّ كان ردفهُ ملك، ولا يخلو بشعرٍ ونحوه إلاَّ كان ردفهُ شيطان ) ) [6] .
أيُّها المسلم والمسلمة: يا من تبحثُ عن الهداية في مظانها، وترغبُ الجنة
مهما كان ثمنها، إليك هذه الوصيةُ من أبي الأنبياءِ إبراهيمُ الخليل- عليه السلام- يحدثنا عنهُ خاتم الأنبياءِ محمد- صلى الله عليه وسلم- فيقول: (( لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسري. فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أنَّ الجنةَ طيبةُ التربة، عذبةُ الماء وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ) ) [7] .
وليس بخافٍ عليك أنَّ مفتاح الجنةِ لا إله إلا الله، وأنَّ لا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله كنزٌ من كنوز الجنة.
أمَّا الصلاة على الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهي من الذكر- فيكفي أن تعلم قدرها من خلال قول النبي- صلى الله عليه وسلم- (( من ذُكرت عنده فخطئ الصلاة علي خطئ طريق الجنة ) ) [8] .
السببُ الثالث، والباعثُ على الهداية، تلاوةُ كتابِ الله، بتدبرٍ وتمعن وخشوعٍ، وهو وإن كان من أنواعِ الذكر، إلاَّ أنَّ إفرادهُ بالذكر لعظيمِ أهميته، ومزيد العناية به. قال الله تعالى: (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ) (الاسراء: من الآية9) .
هكذا تأتي الآية على وجه الإطلاقِ والعموم، فيشمل الهدي أقواماً وأجيالاً بلا حدود، من زمانٍ أو مكان، وتستمرُ هدايةُ القرآن إلى نهايةِ الوجود.
والقرآنُ يهدي للتي هي أقوم، في عالمِ الضميرِ والشعورِ بالعقيدةِ الواضحة، التي لا تعقيدَ فيها ولا غموض، تنطلقُ الروحُ من أثقالِ الوهمِ والخرافة، وتنطلقُ الطاقاتُ البشرية الصالحةِ للعمل والبناء.
ويهدي للتي هي أقومُ، في التنسيقِ بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعرهِ وسلوكه، وبين عقيدتهِ وعمله، فإذا هي كلها مشدودةً إلى العروةِ الوثقى التي لا تنفصم، متطلعةً إلى أعلى، وهي مستقرةٌ على الأرض، وإذا العملُ عبادة مت توجهُ الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة [9] .
أيُّها المسلمون:
وفي القرآنِ الشفاءُ والرحمة، (( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (الاسراء: من الآية82) .
وكذلك يعلمُ الذين أوتوا العلمَ هذا الأمرُ العظيمِ للقرآن، (( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ) (سبأ:6) .
(( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) (فصلت:26) .
وأثرُ القرآنِ وتأثيرهُ على النفوسِ واضحٌ مشهود، مهما بلغت القلوبُ من قُسوتها، ومهما كانت حالُ المرءِ من الشقاوةِ والضلال، وهل بعد الكفرِ من ذنب، ومع ذلك فقد روى البخاري في صحيحهِ قصةَ أثرِ القرآن في قلبِ كافرٍ من أكابرِ قريش، أنَّهُ جُبير بن مطعم بن عدي، الذي قدمَ المدينةِ في وفدِ أسارا بدر، فسمعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- يقرأُ في المغربِ بسورةِ الطور، يقول: فلمَّا بلغَ هذه الآية: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) ) (الطور:37,36,35) كاد قلبهُ أن يطير [10] .
ومثل ذلك أو قريبَ منه، يُقالُ في قصةِ عودةَ الفضلُ إلى الله، وهو اللصُ الذي كان يُخوفُ المارين، ويروعُ الآمنين، وينهبُ المُسافرين، فلمَّا أرادَ اللهُ له الهداية، كان، ذاتَ يومٍ يتسلقُ بيتاً، فسمعَ قارئاً يقرأُ (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (الحديد:16) .
جعلني الله وإياكم من أهلِ القرآن، ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الهدى والفرقان .
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.
الخطبة الثانية