فهرس الكتاب

الصفحة 8761 من 9994

ولأجل هذا أيها المسلمون، فإن هناك عبادات هي من الثوابت التي لا تتغير بعد رمضان، كالصلاة والزكاة والصدقة، وكذا الدعاء لنفسك ولمن أوصاك به ولإخوانك في الملة والدين من المعوزين والمستضعفين والمجاهدين، ناهيكم عن ثابت التوبة المطلوبة في كل حين وآن، والتي أمرنا الله بها في قوله: وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، وكان يتأولها النبي بقوله: (( إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة ) ) (6) [6] .

إذا عرفت - أيها المرء - هذه الأمور كلها، فما عليك إلا أن تلزم، ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع أو علم، ولقد ذقت طعم العبادة في رمضان ولذة القرب من الله، فلا تعكرن هذا الصفو بالكدر، والهناء بالشقاء، والقرب بالبعد.

إن البقاء على الطاعة في كل حين أو التهاون عنها كرات ومرات ليعودان في المرء - بإذن الله - إلى القلب، وهو أكثر الجوارح تقلباً في الأحوال، حتى قال فيه المصطفى: (( إنما سُمِّي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً على بطن ) ) [رواه أحمد] (7) [7] ، ولأجل هذا كان من دعائه: (( يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) ) [رواه الإمام أحمد] (8) [8] .

وبعدُ يا رعاكم الله، فإن من حق نفسك عليك - أيها المرء - أن تفرح بعيدها، فالله جل وعلا جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك، وساخط العيش - عباد الله - هو في الحقيقة كثير الطيش، وكأن الدنيا في عينه سمُّ الخياط، حتى يكون حرضاً أو يكون من الهالكين. والعيد - عباد الله - مسرح للاستئناس البريء، البعيد عن الصخب والعطب، بيتاً ومجتمعاً وإعلاماً، ومتى تجاوز الناس حدود الله في أعيادهم من لهوٍ محرم، وإيذاء للآخرين بالضجيج والأهازيج فما قدروا الله حق قدره، وما شكروه على آلائه، ولقد رأى علي رضي الله تعالى عنه قوماً يعبثون في يوم عيدٍ بما لا يُرضي الله فقال: (إن كان هؤلاء تُقُبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يُتقبل منهم صيامُهم فما هذا فعل الخائفين) (9) [9] ، ورحم الله ابن القيم حين قال عن الفرح:"إن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفاً، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه مَثَلُ الَّذِينَ حُمّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] " (10) [10] .

فعلى المسلم إذاً أن لا يكون مفراحاً إلى درجة الإسراف، لأن الله لا يحب الفرحين من أمثال هؤلاء، إذ بمثل هذا الفرح يتولد الأشر والبطر، ويدل لذلك قوله تعالى: مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:4] . فقد قال بعض المفسرين: إن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس.

ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واللهَ اللهَ في الانضباط حال الفرح والسرور والابتهاج، فالمؤمن الصادق لا يفرح إلا فرح الأقوياء الأتقياء، وهو في الوقت نفسه لا يبغي ولا يزيغ، ولا ينحرف عن الصواب، ولا يفعل فعل أصحاب النار الذين قال الله فيهم: ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] ، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كل يوم لا يعصي فيه العبد ربه فهو عيد) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الشارع الحكيم قد سنّ لكم صيام الست من شوال، وجعل ذلك من متابعة الإحسان بالإحسان، فقد قال النبي: (( من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر كله ) ) [رواه مسلم] (11) [1] .

ووجه كون صيام الست بعد رمضان كصيام الدهر هو أن الله جل وعلا جعل الحسنة بعشر أمثالها كما في قوله: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] . فصيام رمضان يُعدُّ مضاعفاً بعشرة شهور، وصيام الست بستين يوماً، فيتحصَّل من ذلكم أجر صيام سنة كاملة.

والأفضل في صيام هذه الست أن تكون على الفور بعد يوم العيد، وأن تكون متتالية، ومن فرق بينها فلا بأس، ومن أخرها إلى وسط الشهر أو آخره فلا بأس، وهي ليست واجبة، ولا صحَّة لما يظنه بعض العوام من أن من صامها سنة وجبت عليه في السنين الأخرى، بل هي سُنة، من فعلها أثيب عليها، ومن تركها فلا شيء عليه، ومن كان مواظباً عليها في كل عام ثم مرض أو سافر في عام آخر فإنها تكتب له، وإن لم يصمها، لقول النبي في الحديث الصحيح: (( إذا مرض الإنسان أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ) ) (12) [2] .

كما أنه لا يجوز تقديم صيام الست على أيام القضاء من رمضان؛ لأن من شروط حصول أجر الست من شوال أن يكون المرء قد صام رمضان بأكمله، وبذلك يكون المرء كأنما صام عاماً بأكمله.

ثم إن من أراد الزيادة ومضاعفة الأجر فليحافظ على صيام أيام البيض من كل شهر، وهي يوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، فلقد صح في السنن أن النبي جعل صيامها كصيام الدهر (13) [3] ، أي كسنة كاملة، والسنة فيها اثنان وأربعون يوماً من الأيام البيض فقط، ويضاف إليها ستة وثلاثون يوماً لرمضان وست من شوال، فيكون صيام ثمانية وسبعين يوماً في السنة يعدل صيام سنتين كاملتين أي أكثر من سبعمائة يوم، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد...

(1) أخرج البخاري في كتاب الجمعة، باب: ما قيل في الزلازل والآيات (1036) واللفظ له، ومسلم في العلم (157) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ) )الحديث.

(2) هو عند البخاري في كتاب: الصوم، باب: أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم (1902) ، ومسلم في: الفضائل (2308) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) أخرجه أحمد (5/83) ، والترمذي في: الدعوات، باب: ما يقول إذا خرج مسافراً (3439) ، وأصله في مسلم كتاب الحج (1343) من حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه.

(4) أخرجه مسلم في: الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2720) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(5) البخاري في: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه (5862) ، ومسلم في: صلاة المسافرين، باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره (782) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6) أخرجه مسلم في: الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والإكثار منه (2702) من حديث الأغر المزني رضي الله عنه.

(7) أخرجه أحمد (4/408) بنحوه، وابن ماجه في: المقدمة، باب: القدر (88) ، والبزار (8/50) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت