فهرس الكتاب

الصفحة 8777 من 9994

سفينةُ المجتمعِ تجري في أمنٍ وأمان، تصارعُ الأمواجَ والطوفان، فلا خوفَ عليها مادامت تحركُ أشرعتها شريعةَ الرحمن ، لا خوفَ على راكبيها مادامَ شعارهم بسم اللهِ مجرِيها ومرساها ، لكنَّ فئةً ممن قد امتطوا صهوةَ الحريةِ الشخصيةِ، أرادوا أن ينقروا في زواياها، فذاكَ بمسمارِ الربا، وآخر بمعول الزنا، وثالث بفأسِ الرذيلة ، وآخرون بمطارقِ الفساد والمنكرات ، فإن تركهم الباقون وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن اخذوا على أيديهم ، وحالوا بينهم وبين ما يشتهون، كانت النجاةُ للجميع ، إنَّ العصيانَ والعدوان قد يقعانِ في كلِّ مجتمعٍ من الأشرار والمفسدين والمنحرفين، فالأرضُ لا تخلو من الشرِّ، والمجتمعُ لا يخلو من الشذوذِ، ولكن طبيعةَ المجتمعِ الصالح لا تسمحُ للشرِ والمنكرِ أن يصبحا عُرفاً مصطلحاً عليه، وأن يصبح سهلاً يجترئُ عليه كل من يهمُ به، وعندما يصبحُ فعل الشرِّ أصعب من فعلِ الخير في مجتمعٍ ما، ويصبحُ الجزاءُ على الشر رادعاً جماعياً، تقفُ الجماعة كلها دونهُ، وتوقعُ العقوبةَ الرادعة عليه، عندئذٍ ينزوي الشرُ وتنحسرُ دوافعه، وعندئذٍ يتماسكُ المجتمعُ فلا تنحلُ عُراه، وعندئذٍ ينحصرُ الفسادُ في أفرادٍ أو مجموعات، يطاردها المجتمعُ ولا يسمحُ لها بالسيطرة، وعندئذٍ لا تشيعُ الفاحشةُ ولا يفشوا المنكر .

إنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، هو القطبُ الأعظمُ في الدين، وهو المهمةُ التي بعث الله لهُ النبيين أجمعين ، ولو طُوي بساطهُ، وأهملَ علمهُ وعمله، لتعطلتِ النبوةُ واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفسادُ واتسعَ الخرق، وخربت البلادُ، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاكِ إلاَّ يوم التناد ، حمايةُ العقيدة وصيانةُ الفضيلة، وعزُّ الأمةِ، وفلاحُ المؤمنين، منوطٌ بالقيامِ بهذا الواجب (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:104) .

الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر من أخصِّ صفاتِ صفيّ الله من خلقهِ -صلوات الله وسلامه عليه-: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (لأعراف:157) .

وهو من أخصِّ أوصافِ من اصطفاهم الله من سائرِ البشرِ، ليكونوا أتباعاً لرسلهِ وأنبيائه، (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة:71) .

وضدهُ من صفاتِ أضدادهم في المنهجِ والمعتقدِ والمصير، (( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67) .

الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، هو مناطُ خيريةِ هذهِ الأمة (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ) (آل عمران: من الآية110) .

ومن اتصفَ من هذهِ الأمة بهذه الصفاتِ دخلٌ معهم في هذا المدح .

قال قتادة: بلغنا أنَّ عُمر بن الخطاب- رضي الله عنه - في حجةٍ حجها، رأى من الناسِ رِعَةً (أي سؤَ خُلق ) فقرأَ هذه الآية (( كُنْتُمْ خَيْرَ ) )ثُمَّ قال من سرهُ أن يكونَ من هذهِ الأمةِ فليؤدي شرط الله فيها .

إنَّ اللهَ سبحانهُ وصفَ الأمة المسلمة بأنَّ الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر صفتها، ليدلّها على أنَّها لا توجدُ وجوداً حقيقياً إلاَّ أن تتوافر فيها هذه السمةُ الأساسية، التي تُعرفُ بها في المجتمع الإنساني .

الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر صيانةً للأمة، من أن يعبثَ بها كلُّ ذي هوى، وكلُّ ذي شهوةٍ، وكلُّ ذ ي مصلحةٍ يقولُ برأيهِ وتصوره، هو سببٌ للنصرِ والعزِّ والتمكينِ في الأرض، (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ) (الحج:41) .

صاحبُ هذا الوصفِ العظيم، يحصلُ لهُ من الثوابِ والأجرِ الشيءَ الكثير، وإنَّ مما يُحفزُ الهممَ إلى القيامِ بهذا العمل العظيم، ويستشرفُ الأعناقَ والأنظار إليه، أنَّ صاحبهُ يكونُ لهُ من الأجرِ مثل أجرِ الأوائلِ من هذه الأمة،

فقد صحَّ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: إنَّ من أمتي قوماً يعطونَ مثل أجورِ أولهم، ينكرون المنكر .

إنَّ سمةَ المجتمع الخير الفاضل، الحيِّ القوي المتماسك، أنَّ يسودَ فيه الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يوجدَ فيه من يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يوجدَ فيه من يستمعَ إلى الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكونَ عُرفَ المجتمعِ من القوةِ، بحيث لا يجرؤُ المنحرفون فيه على التنكرِ لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاءِ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ إقامةٌ للملةِ والشريعة، وحفظٌ للعقيدة والدين، لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا، (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (البقرة: من الآية251) .

والإنسانُ لابد لهُ من أمرٍ ونهيٍ ودعوة، فمن لم يأمر بالخيرِ ويدعوا إليهِ أمرَ بالشر، بل لو أرادَ الإنسانُ ألاَّ يأمرَ ولا ينهى لا بخيرٍ ولا بشر، فإنَّهُ لابُدَّ لهُ وأن يؤمرَ وينهى، فمن لا يزحفُ بمبادئهِ، زُحفَ عليه بكلِّ مبدأٍ وفكرة، والنفسُ تتلقى وتتشربُ من الأخلاقِ والمبادئِ الأخرى ، الأمرُ بالمعروف يُغذ ي الأمة أفراداً وجماعات بالمثلِ والقيم، والأخلاقِ والعقائدِ السليمة، فلا يحتاجُ أحدٌ منهم إلى استيرادِ مبدءا أو خلقٍ أجنبي على هذا الدين ، الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر سببٌ لرفع العقوباتِ العامة (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ) (هود:117) .

وبهذا تعلمُ أنَّ دُعاة الإصلاحِ المناهضون للفساد والطغيان، هم صمامُ الأمانِ للأممِ والشعوب ، إنَّهم لا يُؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب ،

إنَّما هُم يحولُون بهذا بين أممهمٍ غضبَ الله عليهم، واستحقاق النكال والضياع .

في الأمر بالمعروف شدٌّ لظهرِ المؤمن ورفعٌ لعزيمته، وإرغامٌ لأنفِ المنافقِ كما قال ذلك الإمام الثوري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت