واستمع إلى ما قالهُ ابن القيم- رحمه الله-: عن أثر الإيحاءِ والتوكلِ في طردِ الخوفِ والهلع، وجلبِ الشجاعةِ والإقدام، حيثُ يقول: ولا تستصعبُ مخالفةَ الناس والتحيزَ إلى الله ورسوله ولو كنتَ وحدك، فإنَّ اللهَ معك وأنت بعينهِ وملائكتهِ وحفظه لك ، وإنَّما امتحن يقينك وصبرك ، وأعظمُ الأعوانِ لك على هذهِ بعد عون الله التجردُ من الطمع والفزع ، فمتى تجردت منها هانَ عليك التحيزَ إلى الله ورسوله: وكنتَ دائماً في الجانبِ الذي فيه اللهُ ورسوله .
إنَّ تحدياتِ الأعداءِ وتهديداتهم، لا يُوقفها إلاَّ سياسةُ الثبات على الثوابتِ والوقوف بحزم، أمامَ كلَّ المطالب الجائرة ، لأنَّ المؤمن يُوقنُ أنَّ مطالبَ الأعداءِ لن تتوقفَ إلاَّ عند الغايةِ التي ذكر الله، (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ) (البقرة: من الآية217) ، (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ) (البقرة: من الآية120) ، (( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) ) (النساء: من الآية89) .
ولهذه الصلابةِ والشموخ، واجهَ المسلمون بتهديداتِ قريشٍ وأذنابها في زمن العزِّ والشموخ، وحتى في أحلكِ ا لظروفِ وأمسِّ الأحوال يُمارس المسلمون سياسةَ الحزمِ والقوة، ويقفوا بكلِّ عزاءٍ وإباء، في مواجهةِ أي دعوةٍ للتنازلات، واستمع إلى هذا الموقف .
في غزةِ الأحزاب حيثُ زاغت الأبصار، وبلغت القلوبُ الحناجر، وظنَّ المؤمنون بالله الظنون، وابتلوا وزُلزلوا زلزالاً شديداً، في هذهِ الظروفِ القاسيةِ الحرجة، فكرَّ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- في وسيلةٍ يُخففُ بها عن المسلمين، فأرسل إلي عُيينة بن حصن وهو من ا لأحزاب قائلاً: ( أرأيت إن جعلتُ لكم ثلث تمر الأنصار أترجعُ بمن معكَ من غطفان، وتخذلَ بين الأحزاب، فأرسلَ إليه عيينة إن جعلت لي الشطرَ فعلت، فأرسل النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فأخبرهما بذلك فقالا: أمراً تحبهُ فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به، أم شيئاً تصنعهُ لنا قال: بل شيء أصنع لكم، والله ما أصنعُ ذلك إلا أنَّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة، فقالا: يا رسول الله ، قد كُنَّا نحنُ وهؤلاءِ القومِ على الشركِ بالله وعبادة الأوثان، لا نعبدُ اللهَ ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلاَّ قرىً أو بيعاً، أ فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا إليه، وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نُعطيهم إلاَّ السيف حتى يحكمَ اللهُ بيننا وبينهم .
فالله أكبر على تلك العزة والإباء .
إنَّ التنازلَ عن المبادئِ والثوابتِ ليُقال إنَّكم معتدلون وشريعتكم سمحة، ذلك هو الفشلُ الذر يع ، ورُبما تفعلُ حكمةً حازمةً جازمةً ما لا تفعلهُ السيوف، ورُبما تُرعبُ العدو وتضعُ له حداً، وإنَّ الانحرافَ الطفيفُ في أول الطريق، ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق .
أيُّها المسلمون: ونحنُ اليومَ أمام تحدياتٍ ونواجهُ تهديداتٍ وتُشنُ على بلادنا ومبادئنا حملاتٍ جائرة ، والنفاقُ الإعلامي يُرددُ الغربَ قد جمعوا لكم فاخشوهم وقدموا التنازلات ، دعوا المرأةَ تقودُ السيارة ، واسمحوا بالاختلاط، وغيِّروا في المناهج، وأحدثوا تغييراتٍ في نظامكم الاجتماعي لأنَّ الغربَ قد جمعوا لكم فاخشوهم .
إنَّ هذا الإرجاف وهذه الحملات النفاقية، هي من شياطينِ الجنِّ والإنس، إنَّما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه إنَّ الشيطانَ هو الذي يُضخمُ من شأنِ أولياءهِ، ويُلبسهم لباسَ القوةِ والقدرة، ويوقعُ في القلوبِ أنَّهم ذوو حولٍ وطول، وأنَّهم يملكونَ النفعَ والضر، ذلك ليقضي بهم لبناته وأغراضه، وليحققَ بهم الشرَّ في الأرض والفساد، وليخضعَ لهم الرقاب، ويطوعَ لهم القلوب، فلا يرتفعُ في وجوههم صوتٌ بالإنكار، ولا يفكِّرُ أحدٌ في الانقضاض عليهم ودفعهم عن الشرِّ والفساد، والشيطانُ صاحبُ مصلحةٍ في أن يتفشَّى الباطل، وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قوياً قادراً قاهراً، جباراً لا تقفُ في وجههِ معارضة، ولا يصمدُ له مدافع، ولا يغلبهُ من المعارضين غالب ،
ولكنَّ الله يكشفُ لنا الحقيقة، (( فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران: من الآية175) ، فهو وهمٌ أضعفُ من أن يخافهم مؤمنٌ يركنُ إلى ربه، ويستندُ إلى قوته، إنَّ القوةَ الوحيدةَ التي تُخشى وتُخاف، هي القوةُ التي تملكُ النفعُ والضر، هي قوةُ الله ، وهي القوةُ التي يخشاها المؤمنون بالله ، وهم حين يخشونها وحدها فهم أقوى الأقوياء، فلا تقفُ لهم قوةٌ على الأرض .
بالتوكلِ على الله انتصرت القلةُ المؤمنةُ في بدرٍ وهم أذلة، وأرعبت القلةُ المجروحةُ في حمراءِ الأسد جمع الكافرين ، ونصرَ اللهُ مائةً من الصابرين في حُنينٍ على عشرين ألفاً من ا لمشركين، ومن يتوكل على اللهِ فهو حسبه .
إنَّ القوى الصليبيةَ اليوم تهزُّ عصاها وتلوِحُ بالعداء، وتوعدُ بالعقابِ إن لم نبدِّل في شريعتنا وأخلاقنا، وإنَّ الجواب على مطالبهم، أن نقولَ بكلِّ عزٍّ وإباء، لا ألف لا ، لأيِّ تنازلٍ عن قيمنا ومبادئِ ديننا، ولا ألف لا لكلِّ خطوةٍ في هذا المجال وأيِّ سبيل ، فإن قالوا إنَّهم قد جمعوا فالجواب: أمنا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل،
واستغفروا الله
الخطبة الثانية
أمَّا بعد: فإنَّهُ مع اشتدادِ الأزمات، ومجاهرةِ الأعداءِ بالعداء ، ومع شدةِ الضغوطِ والهجماتِ والتلويحِ بالاعتداء، تبقى أسئلةٌ تفرضُ نفسها:
هل نحنُ مستعدون ليومٍ نجدُ فيه أنفسنا في مواجهةِ البغي الصليبي؟ ليس السؤالُ عن الاستعدادِ بالسلاحِ والعتاد!! فهذا أمرٌ لهُ ظروفه وطبيعته، ولكن السؤالُ عن الاستعدادِ بحيازةِ أسلحةِ النصرِ الربانية ، فهل نحنُ على حالٍ نستحقُ نصر الله ؟ هل لنا من أفعالنا وأقوالنا وأحوالنا ما نستنزلُ به رحماتُ الله وتأييده الذي يؤيدُ به أولياءهُ ؟ أم أننا ما زلنا نحتفظُ كبقيةِ الأمةِ بحقوقِ الفشل؟ وعلى رأسها التنازعُ والتدابر ؟
هل يوالي بعضنا بعضاً، وينصرُ بعضنا بعضاً؟ حتى يوالينا اللهُ وينصرنا على أعدائنا ، سؤال يُجيبُ عنهُ واقعنا .
هل نُعادي الأعداء حقاً ونطيعُ أمر اللهِ بالأعداءِ والاستعدادِ لهم ؟ سؤالٌ يُجيبُ عنهُ أعداؤنا .
هل نؤدي واجبَ النُصرةِ لإخواننا ضد أعدائهم وأعدائنا بما يرفعُ الكربُ عنهم والإثم عنا ؟ سؤالٌ يُجيبُ عنه إخواننا ، وقبل ذلك كلهِ ، هل نصرنا اللهَ حتى ينصرنا الله ؟ سؤالٌ سيُعادُ علينا يومَ بعثنا ، إنَّ هذه التساؤلات وغيرها، ستظلُ تتهاوى في فضاءِ واقعنا المُؤلم، حتى نضعُ لها إجاباتٍ بالعمل قبل القول، وبالحركةِ قبل التنظير، وبالإتقانِ المقترنِ بالنية، فالتحديات التي تواجهنا، تفرضُ علينا اليومَ وقبل اليوم، وفي الغدِ وبعد الغد، أن نكونَ على مستوى المرحلة ، وعلى مستوى المسؤولية ، وعلى مستوى الأمانة .
لن نناشدَ فيكمُ اليومَ إلاَّ الرجولة ، فلنكن رجالاً وإلاَّ فلن نكونَ شيئاً مذكوراً، ولنكن رجالاً كما أرادَ اللهُ، رجالاً في العبودية، (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) ) (النور:36) ورجالاً في الانتصارِ لدينه، (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) ) (الأحزاب: من الآية23) .