المقدمة الثالثة: العواطف نوعان عاطفة موافقة للشرع وهذه يحمد عليها صاحبها. وعاطفة مخالفة للشرع وهذه تسمى في لغة الشرع هوى فهي تضر ولا تنفع وتنقلب من كونها عواطف إلى عواصف فالعاطفة إذا لم تحكم بلجام الشرع وتضبط فإنها تضر صاحبها بل قد تتعدى وتضر آخرين وإليكم بعض الأدلة الدالة على أن العاطفة لا تنفع إذا خالفت شرع الله قال تعالى { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } فقد يأتي رجل متحمس فيقول: دعوني أسب وأشتم آلهة الكفار عندهم وبينهم فيقال لا تفعل فإنك إن فعلت سب الكفار والمشركون رب العالمين وديننا وهذا لا يرضى الله سبحانه وصاحب الشرع يحكم عاطفته ويربطها بلجام شرع الله أما صاحب العاطفة غير المنضبطة لا يبالى فيسب آلهة المشركين فيقع في النهى فيرجع المشركون بسب ربنا سبحانه وأيضا مما يدل على أن العاطفة إذا لم تحكم بالشرع فإنها تضر اكثر مما تنفع (صلح الحديبية) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صالح كفار قريش كما في الصحيح من حديث أنس وغيره ومن بنود الصلح أنه إذا جاء الرجل من المشركين مسلما فإنه يرد عليهم وإذا خرج المسلم من بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقد أرتد ويريد الذهاب إلى الكفار فإنه يقبل ولا يرد هذا الأمر في ظاهره خذلان كما أشار إلى ذلك شيخنا محمد بن صالح العثيمين فيما تقدم ومن ينظر بمنظار العاطفة لا يقبله لكن من نظر بمنظار الشرع الحكيم الذي جاء من عند الله رب العالمين علم أن هذا الصلح فتح ونصر وفيه يتحقق قوله تعالى { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } فالمراد بالفتح على أصح القولين وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم صلح الحديبية لما ترتب عليه من فتح عظيم.
انظروا إلى بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كيف رفضوا هذا الصلح في أول أمره وظنوه خذلاناً وضعفاً والواقع أنه نصر لا سيما لما جاء أبو جندل يرسف في قيوده ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يكتب الصلح بعد فقال سهيل بن عمرو: (هذا أو لا صلح) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم"أجزه لي استثن لي أبا جندل وحده"فقال ( هذا أو لا صلح) لاحظ !! أن الصلح لم يكتب بعد وأبو جندل قد عذب على أيدي كفار قريش وجاء يرسف في قيوده وعليه أثر التعذيب وأذية الكفار ومع ذلك رده رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فالتفت أبو جندل إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: يا مسلمون أتردوني إلى الكفار وقد عذبت في الله عذاباً شديداً؟ فضج صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حتى إن بعضهم خار على ركبتيه وكأني برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد أخذه الألم أشد المأخذ لكنه ينظر إلى ما هو أبعد وهو مصلحة المسلمين عامة هل ياترى يصح لقائل أن يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يبالى بصحابته ؟ وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يفعل ما يرضى الكفار وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم متخاذل في القيام بأمر الدين ؟ كلا والله لا يقول هذا الأمر إلا جاهل لا يعرف حقيقة الأمور أما هو بأبي وأمي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهو مؤيد بالوحي ونظر نظراً بعيداً ورضي بالصلح على هذا الضيمْ لأجل النصرة والتمكين وليحصل لهم ما حصل من النصر والتمكين بعد.
إذاً يجب أن تحكم العواطف بزمام الشرع فإنها إن لم تحكم بزمام الشرع انقلبت عواصف فضرت الرجل نفسه وغيره من المسلمين.
المقدمة الرابعة: إضرار العدو والنكاية به ليس دليلاً مسوغاً في فعل الأمر وحده بل لابد أن ينظر إلى مدى مصلحة المسلمين من هذا الأمر فبعض الناس قاصر النظرة ينظر إلى أمر ما فيقول هذا الأمر واجب ومطلوب شرعاً لماذا؟ لأن الكفار يتأذون به وهذا خطأ، صحيح إن النكاية بالعدو مطلب شرعي لكن لا ينظر إليها وحدها بل يجمع معه النظر إلى مدى استفادة ومصلحة المسلمين من هذا الأمر فإن كانت مصلحتهم راجحة فعل وإلا ترك ومما يدل على ذلك ما تقدم ذكره من قوله تعالى { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } إن سب آلهتهم يسخطهم ويؤذيهم لكننا نهينا عن ذلك لأن فيه تعدياً على الله جل جلاله وعظم سلطانه فإذن لا يكفى أن ننظر إلى مدى تأثر الكفار فحسب بل لا بد أن ننظر معه إلى مصلحة المسلمين من هذا الفعل ,ويدل عليه أيضا ما تقدم من صلح الحديبية فإن ظاهر الصلح إفراح للكفار وإعزاز لهم ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع ذلك لم يمتنع عن هذا الصلح ولأن فيه مصلحة للمسلمين.
المقدمة الخامسة: إذا تغلب الحاكم الكافر في بلاد إسلامية وصار له الحكم فيجب على المسلمين أن يتوقفوا عن قتاله إذا لم تكن لديهم قدرة ولا قوة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك ضروا بأنفسهم وبإخوانهم من المسلمين لذا يجب عليهم أن يتوقفوا وأن يسمعوا ويطيعوا لهذا الحاكم في غير معصية الله قال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله-: [ إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة أما إذا لم تكن عندهم قدرة فلا يخرجون أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة والقاعدة الشرعية المجمع عليها أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه أما درء الشر بشر أكثر منه فلا يجوز بإجماع العلماء فإذا كانت الطائفة التي تريد إزالة السلطان الذي فعل كفراً بواحاً عندهم قدرة على أن يزيلوه وتضع إماماً صالحاً طيباً دون أن يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال إلى غير هذا من المفاسد العظيمة هذا لا يجوز بل يجب الصبر والسمع والطاعة بالمعروف و مناصحة ولاة الأمور والدعوة لهم بالخير والاجتهاد في تحقيق الشر وتقريره وتكثير الخير هذا هو الطريق السويٍِِ الذي يجب أن يسلك لأن في ذلك مصالح المسلمين عامة ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر نسأل الله للجميع التوفيق والهداية ] ا.هـ .