فهرس الكتاب

الصفحة 8942 من 9994

اعتاد بعض الناس على السفر في الإجازة خارج البلاد ، لظنهم أنهم لا يجدون ما يحقق رغبتهم ، أو لأنهم يريدون الحصول على شهوات وملذات لا تتحقق لهم هنا، إن كثيراً ممن يسافرون خارج البلاد لقضاء الإجازة لا يلتزمون آداب الإسلام ، ولا يتورعون عن مجالس الرذيلة ، فينغمس أحدهم في أوحال الضلالة، ويتربى في أوكار السفالة ، ولا يسلم السفر خارج البلاد من الظواهر السيئة ، مثل: شرب الخمر ، وتهريب المخدرات ، وممارسة الجنس ، وغير ذلك ولاسيما في السفر إلى بلاد معينة اشتهرت بتوفير أماكن رخيصة للدعارة وتيسير سبل الفساد ، ويزداد الأمر قبحاً إذا صحب معه نساءه وأولاده ليأخذوا حظهم من الشقاء والفساد ، وأقبح من هذا كله اتساع عدد الطاعنين في السن الذين يسعون إلى ما يسعى إليه الشباب من مقارفة الفساد والتمرغ في أوحال الرذيلة ، وهذا ما دفع أحد الشباب لأن يقول"إن التصابي الذي يمارسه أكثر من مُسِنّ أثناء فترة الاصطياف أمر مُشين حقاً .. إنهم القدوة .. لذا قبل أن تعاقبوا الشباب ، فعليكم وضع الفئة المسنة في الصورة تماماً ، فهم أولى بالنصح والإرشاد [11] ."

وفي بلادنا من الخير ما يلبي رغبات الناس ، فهناك زيارة المسجد الحرام وأداء مناسك العمرة وزيارة المسجد النبوي.

وهناك الأماكن الباردة في أوقات الصيف والمناظر الخلابة مع ما فيها من الأمن والطمأنينة وقلة الإنفاق فما بال هؤلاء يزهدون في ذلك كله ، وينهزمون أمام شهواتهم وينخدعون بالدعايات المضللة ، والشعارات البراقة ؟!

إن السفر لبلاد الكفر لمجرد السياحة ممنوع شرعاً كما يستفاد من النصوص ؛ لأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين ، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز [12] . وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أنا برئ ممن يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما ) ) [13] .

ومعنى:"لا تراءى نارهما"، أي: لا ترى نار المسلم نار المشرك، ولا نار المشرك نار المسلم، وهذا كناية عن القرب. والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.

فمن سافر لمجرد السياحة فهو على خطر عظيم، من وجوه:

أولاً: أنه خالف النصوص الدالة على وجوب الهجرة وتحريم السفر، ومنها حديث سمرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ) ) [14]

ثانيًَا: فقد الغيرة ؛ فإن الإنسان - وإن كان عنده غيرة - إذا أقام في بلد تكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجاريًا لهم فيما هم عليه.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن مشاركة الكفار في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له [15] .

ثالثاً: أن هذه الأسفار لا تسلم غالبًا من الإسراف في النفقات المالية، وهذا فيه إنعاش لاقتصادهم وتقوية لهم ، وتشجيعاً لهم على مواصلة الفساد ، وتهيئة سبلها للسياح.

رابعاً: شعور الإنسان الذي يقيم معهم بأنه كفرد منهم ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، أضف إلى هذا أن أهله من النساء والأطفال - إن كانوا معه - يتأثرون بأخلاق أهل تلك البلاد؛ لأن المرأة والطفل والشاب أسرع تأثرًا وأكثر إعجابًا بما عليه الآخرون .

الوقفة السادسة: مع الزواج في الإجازة:

تكثر مناسبات الزواج في الإجازة ، وهو وقت مناسب لها ، حيث يتفرغ الناس للحضور ، ويتفرغ الزوجان لقضاء أيام العرس في هناء ومتعة، ولكي يكون الزواج موفقاً، وتحصل الألفة بين الزوجين، وتحسن عاقبتهما فإن على الزوجين صاحب الشأن في هذا الأمر أن يتقوا الله فيه ، وأن تكون أحكام شرعه وآداب دينه حاكمة على كل ما يأتون ويذرون ، أن يكتفوا بما أحلَّ عما حرم الله،

ولعلي في هذه العجالة أن أنبه إلى الأمور الآتية: -

* الحذر من الإسراف في وليمة العرس بتكثير الأطعمة وتكثير المدعوين والواجب أن يكون الطعام بقدر الحاضرين وإن فضل منه بقية أُعطي من يستفيد منه ، كما يجب الحذر مما حرم الله تعالى من اللهو والطرب وتهيئة سبل الفساد للناس

* اختصار وقت حفلة الزواج قدر الإمكان ، حذراً من السهر ، ولا يتم ذلك إلا بتقليل المدعوين، و اختصار الوليمة قدر الإمكان ، وتحديد وقت الحضور ووقت تقديم الطعام.

* الحذر من إسراف النساء في ملابس الزينة ، وذلك بشراء الملابس ذات القيمة الغالية ، والتي قد لا تلبس إلا مرة واحدة ، والإسلام يمنع الإسراف في كل شيء . ومنه الإسراف في مطالب الحياة. والجري وراء شهوات الدنيا ولذّاتها . . مما يسبب فساد الأمم، وخراب الديار.

ولا جدال في أن ظاهرة الإسراف في الزينة موجودة . . إسراف في الملابس، إسراف في الحلي . . إسراف في أدوات التجميل . . إسراف في متابعة المستحدثات المستجدات، والإسلام ينهى عن ذلك كله. . فهو ينهى عن الإسراف في الأكل، والشرب، وينهى عن الإسراف في الإنفاق.

قال تعالى: (( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ) (الأعراف: 31) .

ويذكر تعالى من صفات عباد الرحمن: (( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) ) (الفرقان: 67) .

وقال النبي (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة [16] .

قال الحافظ ابن حجر: ( الإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل أو قول وهو في الإنفاق أشهر) [17] .

* الحذر من مخالفة قواعد الإسلام وأحكامه في باب زينة المرأة عموماً و ملابسها خصوصاً، فإن كثيراً من النساء اليوم قد تركن تعاليم الإسلام في باب الزينة وتنكبن الصراط المستقيم، حتى صار لباسهن وزينتهن لا يمت إلى الإسلام بصلة، إن المرأة اليوم تجيد التقليد والمحاكاة، سريعة التأثر بتلك الدعايات الخبيثة والشعارات البراقة التي تنادي بالتشجيع على متابعة المبتكرات المستحدثة (الموضة) وهي التي في حقيقتها نَبْذٌ لآداب الإسلام الداعية إلى الحشمة والحياء، وتَشْجيعٌ على العري ، واللباس المثير، لباس الكاسيات العاريات..

* فعلى المرأة المسلمة التي ترجو ثواب الله وتخشى عقابه أن تتقي الله في نفسها وفي مال الله الذي آتاها ، فلا تنفقه في سبيل تحاسب عليه ، ولا تضع على بدنها ما حرم الله من الزينة واللباس .

قال سعيد بن جبير: (( من إضاعة المال أن يرزقك الله حلالاً ، فتنفقه في معصية الله) [18]

الوقفة السابعة: مع ظاهرة السهر:

من الظواهر السيئة التي ظهرت في مجتمعنا وهي دخيلة علينا وغريبة عنا ظاهرة السهر، إما إلى ساعة متأخرة من الليل أو سهر الليل كله، تلك الظاهرة التي ما تركت بيتاً إلا دخلته إلا من عصم الله، وقليل ما هم.

لقد عم السهر جميع فئات المجتمع ، شيباً وشباباً ، رجالاً ونساءً ، صالحين وطالحين ، والسهر في الإجازة يختلف عن السهر في بقية العام كَمَّاً وكيفاً ، فهو في الغالب سهر طويل ، وقد يمتد إلى الفجر ، وهو إما سهر على آلات اللهو والطرب، أو في مسلسلات هابطة، أو جولات في زبالات القنوات الفضائية، وإما في المستراحات في مجالس خاوية واجتماعات آثمة ، أو في حضور مناسبات الأعراس واجتماعات الأسر والقرابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت