فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولكن من حمايته سبحانه أنه لم يكلهم إلى ذلك فحسب، بل أعانهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ليبينوا للناس غاية خلقهم ومصيرهم، ويعرفوهم بربهم سبحانه، وأسمائه وصفاته، وكيفية عبادته، ووعدهم إن هم قاموا بذلك أن يسلموا ويسعدوا، ويأمنوا في الدنيا على أنفسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم، وفي الآخرة: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 96] .
وإن المتأمل في عالمنا المعاصر ليرى دون عناء ما يعج به من المخاوف والمزعجات والمقلقات، والقتل والجوع، والأمراض النفسية والأسرية والاجتماعية، ويرى الهلع على وجوه الكثير من الناس من جراء ما يهدد وجودهم وأعراضهم وأموالهم وقبل ذلك دينهم.
وقد صاحب ذلك حملة ماكرة خبيثة، ملبسة مضللة، وذلك من الكفار وأذنابهم من المنافقين في وسائل إعلامهم المختلفة، وذلك بالتلاعب بالمصطلحات، والتلبيس على الناس في معنى الأمن ووسائله، ومعنى الإرهاب وطرائقه، وجاءوا بزخرف من القول غروراً، ليصرفوا الناس عن الأسباب الحقيقية لاختلال الأمن في حياة الأفراد والمجتمعات والدول، والتي ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم، وجعلها سنناً ثابتة لا تتغير ولا تتحول، وليصرفوهم عن الأعداء الحقيقيين للأمن.
وجاءوا أيضاً بأسباب أملتها عليهم أهواؤهم ومصالحهم، فجعلوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، وهكذا شأن شياطين الإنس والجن الذين اخبرنا الله عنهم بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) . [سورة الأنعام، الآيات: 112- 113] .
فبيّن سبحانه في هذه الآية الكريمة أن تضليل شياطين الإنس والجن للناس بأقوالهم المزخرفة المضللة لا ينطلي إلا على من ضعف دينه وإيمانه بالآخرة، وإلا فإنّ المؤمن بربه، الذي يصدر عن كتابه سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والمؤمن بلقاء ربه في الآخرة لا يصغي لهذا المكر ولا يرضاه، ولا يقبله.
ولما كانت الحملة على الإسلام وثوابته ومفاهيمه شديدة وشرسة، ولا سيما في هذه السنوات الأخيرة من قِبَلِ الكفار وإخوانهم من المنافقين في ديار الإسلام، أصبح بيان الحق في هذه الحرب متعيّناً على كل قادر بلسانه وقلمه وبيانه وماله، وذلك لرفع اللبس عن المسلمين، وإزالة الشبهات، وبيان سبل المؤمنين وسبل المجرمين، وذلك بالرجوع إلى القرآن وهديه ومجاهدة الأعداء به، قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) . [سورة الفرقان، الآية: 52] .
ومن صور التلبيس في مفهوم الأمن اليوم: قصره على أمن النفوس والأموال فحسب، مع أنه أشمل من ذلك من جهة أنّ أعظم الأمن هو الأمن في الدين والعقيدة والأخلاق، وحماية الناس من أن يفتنوا في دينهم، وهذا المفهوم الشامل قد غاب عن حياة كثير من الناس اليوم.
وقد أسهم الإعلامُ الماكر الموالي للكافرين وإخوانهم من المنافقين في تغييب هذا المفهوم، حيث لم يضعوا لحماية الدين أيّ اعتبار في تحقيق الأمن، مع أنّ الله عز وجل قد أفهمنا في كتابه الكريم أنّ أيّ خلل في أمن الناس فمصدره الخلل في دينهم وإيمانهم، فبضعف الدين والإيمان، أو غيابهما يحصل اختلال الأمن في بقية ضروريات الإنسان من نفس ومال وعقل وعرض، قال الله تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) . [سورة النحل، الآية: 112] .
وكذلك من المفهوم القاصر للأمن الذي يحاول الملبسون ترسيخه في أذهان الناس اليوم: توجيه الأنظار إلى توفير الأمن على النفس والرزق في هذه الحياة الدنيا فحسب، ونسيان الأمن الحقيقي والسعادة الكبرى في الآخرة، وعدم أو ضعف الحرص على ذلك، وإغفال الأسباب التي توصل إلى الأمن يوم الفزع الأكبر، والفوز بدار الأمن والسلام، والتي أعدها الله عز وجل لعباده المتقين، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ) . [سورة الحجر، الآية: 45-46] . وقال سبحانه: (وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) . [سورة يونس، الآية: 25] .
إنّ هذا الطرح الشامل لمفهوم الأمن يكشف لنا الأعداء الحقيقيين لأمن الناس، والذين يتترّسون وراء مكافحة الإرهاب، والحرص على توفير الأمن للناس، مع أنهم مصدر الإرهاب والخوف والجرائم والفساد، وبيان ذلك واضح وجلي في أقوالهم وأفعالهم، وجرائهم الشنيعة في إفسادهم للدين والنفس والعقل والمال والعرض، وما يترتب على ذلك من العقوبات، والمخاوف الدنيوية، والعقوبات الأخروية في نار جهنم، حيث لا أمن، ولا راحة، ولا سلام.
فأيّ الفريقين أحق بالأمن والدعوة إليه في الدنيا والآخرة؟!:
أهم دعاة التوحيد والإيمان والفضيلة؛ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أم دعاة الشر والفساد والرذيلة؟!.
لقد حسم الله عز وجل الجواب بقوله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) . [سورة الأنعام، الآية: 82] .
وما مثل أعداء الأمن الذين يعتدون على الناس في دينهم، وأنفسهم وعقولهم، وإعراضهم وأموالهم، ويعرضونهم لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا كما قال الأول:"رمتني بدائها وانسلت".
ولإيضاح هذا الأمر أضم إلى آية الأنعام السابقة الآيات التالية، والتي يوضح الله عز وجل فيها من هم دعاة الأمن وأهله؟! ومن هم دعاة الشر والعذاب وأهله؟! وأنّه لا التقاء بينهما، وهي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق.
قال تعالى: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً) . [سورة النساء، الآية: 27] .
ويقول عز وجل: (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) . [سورة البقرة، الآيات: 221] .
ويقول الله عز وجل عن مؤمن آل فرعون وهو يدعو قومه: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) . [سورة غافر، الآيات: 41- 42] .