فهرس الكتاب

الصفحة 9006 من 9994

فهذه دعوات إلى الرحمن السميع العليم صاعدة، وهذه آيات من الرحمن العزيز كأنها اليوم منزلة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، وقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، فكل شيءٍ حولنا ـ يا عباد الله ـ لله فيه حكمة، وتذكّروا أن كل من كان عدوًا لله فهو ضعيف، قال الله تعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ، فثقوا بنصر الله وبوعد الله: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وقال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، وقال سبحانه: جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ، وقال تعالى: لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فلقد تضمّنت سيرة النبي مجموعةً من المبشرات لهذه الأمة المباركة، ومن ذلك ما رواه الصحابي الجليل المجاهد خباب بن الأرت قال: أتيت النبي وهو متوسّد برده وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: ألا تدعو الله؟! فقعد وهو محمرٌ وجهه، فقال: (( لقد كان مَن قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمٍ وعَصَبٍ، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ـ زاد بيان الراوي ـ والذئب على غنمه ) )وفي روايةٍ: (( ولكنكم تستعجلون ) )، وهذا الحديث في صحيح البخاري.

فثقوا ـ يا عباد الله ـ بنصر الله، فإن نصر الله قريب، وبشائر النصر قد لاحت بإذن الله في الأفق، يقول الله تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.

أتذكرون ما أصابكم يوم أحد؟! أتذكرون ما أصابكم من جراحٍ وحصارٍ وتضييق؟! أتذكرون شهداءكم؟! أتذكرون بكاء أطفالكم؟! أتذكرون أنين الأيتام؟! أتذكرون حنين المبعدين؟! أتذكرون وتذكرون؟! فقد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة والهلاك على الكافرين، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. وإن كان قد أصابكم قتل وجرح فقد أصاب أعداءكم قريبٌ من ذلك، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء) .

عباد الله، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. نقول ذلك ـ يا عباد الله ـ ونكرره لأنّ الله وحده هو الذي يهبنا النصر ولا أحد غيره، فهو يهب النصر لمن شاء ومتى شاء، فلا يظننّ ظانّ بأن النصر لهذه الأمة يقوم بلا إسلام، قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ، وقال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. ومدح الله المؤمنين الذين عرفوا حقيقة النصر فأقاموا شرع الله في أرض الله، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ.

فنسأل الله العظيم أن يهيّئ لإخواننا في أرض فلسطين الحكم بكتاب الله وبسنة النبي ليكون بصيص النصر في هذه الأيام مباركًا في أرض غزّة هاشم، نصرًا يشعّ بعد نحو أربعين سنةٍ من الجهاد والرباط، وفاتحةً بإذن الله لفكّ قيود الأقصى المبارك وما ذلك على الله بعزيز، ونسأل الله تعالى أن لا يحقّق لأعدائه غاية، وأن لا ينجح لهم أمنية، وأن يحفظ أهل فلسطين من مؤامرات المعتدين الذين يمكرون ويخططون لفتنة المسلمين وطمس عقيدتهم وزرع الفتنة بينهم، فقد قال الله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، فكلنا أملٌ وثقةٌ بإذن الله أن اندحار المغتصبين من أي شبرٍ من أراضي المسلمين هو نصرٌ وإن سماه أعداؤنا ما سموه، ولن يكتمل فرح المسلمين إلا باسترداد كامل الحقوق المغتصبة بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، وتتويج ذلك كله بعودة الأقصى الأسير إلى سماحة الإسلام ونوره، فنسأل الله أن يكون ذلك قريبًا، ونسأله تعالى أن يجمع قلوب إخواننا في أرض فلسطين، وأن يجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه جواد كريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت